أدب وفنمقالات واقوال مترجمة
في الذّكرىَ المائوية”لمعركة أنوال المجيدة” 1921-2021 الحلقة 17 – من – رواية “تحت ظِلال أشجَار التّين والزّيتُون”

الدكتور
في الذّكرىَ المائوية”لمعركة أنوال المجيدة” 1921-2021 الحلقة –السابعة عشرة – من – رواية “تحت ظِلال أشجَار التّين والزّيتُون”
( سيرة بطل مُجاهد شهيد معركة “أنوال” الماجدة)
الدكتور مُحمّد مَحّمد خطّابي
“..انتفض (مُوح ) في الهزيع الأخير من الليل عندما انتهى إليه أذان الفجر ، خرج على أطراف أصابع رجليْه الى صحن المنزل، وتناول سطلاً صغيراً ،صبّ بداخله قليلاً من الماء من القلّة الفخارية الكبيرة التي كانت في مدخل غرفة والدته والتي يُسقىَ بها الماء من الآبار والعيون ،توضّأ ، وصلّى صلاة الفجر ثم عاد ليستلقي على مرتبته هذه المرّة في غرفته الى جانب أخويْه حمّوش وأحمد اللذيْن لم يشعرا به، ولم يتفطّنا لحضوره، وما أن أغمض عينيْن سرعان ما داعبَ الكرىَ جفنيْه، وغالبه النوم من جديد . بعد مرور حوالي السّاعة ،طرقت والدته عليه الباب ،فأجابها على الفور :
- انا لست نائماً يا أمّاه ، بعد قليل سأكون معك.
انتفض واقفاً من جديد ، إلتفت يميناً ويُسرةً ولم يجد أثراً لأخويْه ، كانا قد خرجا من الغرفة دون شعور منه وغادرا المنزل منذ الصّباح الباكر .
في ذلك اليوم تناول (مُوح ) الإفطار مع والدته ، إذ لم يكن بالبيت سواهما ، فقد ذهب أخواه حمّوش وأحمد منذ قليل على دواب بعض أقربائهما الى حقول والده في “الوطاء ” لجني محاصيل الذرة ب (ايمجار) لتخزين بعضها في المنزل تحسّباً لفصل الشتاء، وبيع الباقي في الأسواق المحلية الصغيرة المجاورة، وأمّا أختاه فظمة ومنوش فقد انصرفتا على دابّة المنزل إلى أراضي الأسرة بمنطقة “أزغار” لاستقدام أعشاب البرسيم الأخضر( فافرا ) الذي زرع أخوهما حمّوش حقلاً واسعاً منه في الأشهر الأخيرة ،والذي يُقدَّم كعلف مفيد إلى جانب التبن، والكلأ للمواشي من غنم ، ومعز، وللبقر، والدوابّ كذلك .
عند وصول فظمة ومنوش الى أراضي الأسرة في ” أزغار” ، ربطتا الدابّة الى جدع شجرة تين وارفة الظّلال، ووافرة الأغصان ، وبينما كانتا متّجهتيْن إلى الحقول المُجاورة وهما يحملان فى أيديها مِنْجلاً ( أمجر أو أكسير) لقطع البرسيم التقيتا مع صديقتيْهما ” منوش بنت أبقوي” التي كانت قد سبقتهما إلى حقول والدها لتأتي هي الأخرى برُزَمٍ من البرسيم كذلك ، تبادلت التحيّة من بعيد مع صديقتيها ثمّ انحنتْ على الأرض لتقطيع حُفنات وقبضات من هذا العلف الطريّ الثمين ، وبعد برهة من الزّمن حضرت جارتهما منوش أبقوي الى أرض أختيْ (مُوح ) وبيدها إناء من فخار منمّق بخطوط متناسقة سوداء اللون ،سلّمت عليهما بلمسٍ خاطفٍ بطرَف الأيدي على الأنامل ثم مَرَرْنَ بها على شفاهنّ لتقبيل أصابعهنّ في لطف ،وجلست منّوش أبقوي إلى جانبهما تحت شجرة التّين المورقة الكبيرة وهي تقول لهما : لقد احضرتُ معي من البيت آنية من الفخار ملأى باللبن الرّايب (أشّير) لابد أنه الآن بارد، فقد علّقتُ الآنية عند وصولي في الصّباح الباكر على غصن شجرة الزيتون في أرضنا ، ولم يتوقّف ريح النّسيم العليل الهادئ ( رَعْوِينْ) يهبّ عليها أرجو أن تشاركاني في شربه.
شكرتْ أختا (مُوح) منوش وفظمة صديقتيْهما وجلسنَ الثلاث جنباً الى جنب وهنّ يحتسين مُنتشياتٍ اللّبنَ الرّايب اللذيذ الذي كنّ في حاجةٍ إليه للتغلب على قيظ الحرارة المفرطة التي كانت حامية الوطيس في ذلك النهار، خلال هذه الاستراحة تبادلت الصّبايا أطراف الحديث فيما بينهنّ عن الحياة اليومية المتواترة التي تنساب بينهنّ رتيبةً في هدوء ، وكأنّ الأيام كلّها شبيهة ببعضها ولا يختلف يوم عن الآخر بالرّوتين اليومي المتعاقب . شكرتْ كلٌّ من فظمة ومنوش صديقتيهما على اللبن الرّايب المنعش واعطياها حفنة من التين الأسود (الغُدّاني) المجفّف اللذيذ ،وقالتا لها :
-لقد اشتراه أوّل أمس أخونا (مُوح) من سوق امزورن.!
شكرتهما هي الأخرى على ذلك ،وانصرفت راجعةً إلى حقل والدها لتجمع الرّزم الملفوفة التي قطّعتها هي الأخرى من البرسيم ، ووضعتها بعناية فوق دابتها وربطتها بحبلٍ متين .
ركبت على ظهر البغلة مستعينة بنصف جدعِ شجرةٍ كبير يابس ثم انطلقت دابتها راجعة الى بيتها الذي لا يبعد كثيراً عن بيت صديقتيْها .أشارت بيدها اليمنىَ من بعيد مُحييةً أختيْ (مُوح ) فردّتا التحيّة بمثلها عليها بلطف ثم انصرفتا الى مزيد من تقطيع البرسيم الذى جمعتاه فيما بعد فى رزمة كبيرة ووضعتاه فوق ظهر الدابّة وربطتا الرّزمة بإحكام وانطلقتا في طريق العودة إلى المنزل من جديد،وبينما هما في منتصف الطريق قالت فظمة لشقيقتها منوش بعد أن دنت بفمها من أذن أختها : - هل رأيتِ كيفّ انفعلتْ منّوش ، واحمرّ وجهها عندما قلنا لها إنّ التّين الغُدّاني اللذيذ المجفّف الذي أعطيناه لها اشتراه أخونا ( مُوح) أوّل أمس من سوق امزورن ..!”.. ( يتبع) .





