أدب وفن

حين يتحوّل المقال إلى مسار تفكير: قراءة في كتاب «بين السطور… فكر امرأة» للكاتبة التونسية رانيا الحمامي

حين يتحوّل المقال إلى مسار تفكير: قراءة في كتاب «بين السطور… فكر امرأة» للكاتبة التونسية رانيا الحمامي

*البشير عبيد

لا يصدر كتاب فكري في زمننا العربي الراهن إلا وهو يحمل في طيّاته سؤالين متلازمين: سؤال اللحظة التي كُتب فيها، وسؤال الذات التي اختارت أن تكتب. وفي كتاب «بين السطور… فكر امرأة» تقدّم الكاتبة والروائية التونسية رانيا الحمامي عملاً يجمع بين هذين البعدين، إذ لا يقتصر على كونه مجموعة مقالات متفرقة، بل يظهر في بنائه العام بوصفه مساراً فكرياً متواصلاً، تتجاور فيه الأسئلة وتتقاطع فيه القضايا، ليشكّل صورة مركّبة عن تجربة في التفكير والكتابة معاً.
هذا الكتاب لا يقدّم نفسه باعتباره مشروعاً نظرياً مغلقاً، ولا بحثاً أكاديمياً بالمعنى التقليدي، بل هو أقرب إلى سجلّ فكري حيّ، كُتب على امتداد لحظات مختلفة، وفي سياقات متباينة، ثم جُمعت نصوصه لتكشف عن خيط ناظم يربط بينها، خيط يتمثل في الرغبة في فهم الواقع، ومساءلة الأفكار، والبحث عن المعنى في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتداخل فيه المرجعيات.

الكتاب بوصفه سيرة فكر لا مجرد تجميع مقالات

يضم كتاب «بين السطور… فكر امرأة» مقالات بالعربية والفرنسية، إلى جانب حوارات أُجريت مع الكاتبة في مناسبات مختلفة، وقد نُشرت هذه النصوص في صحف ومجلات ومواقع متعدّدة قبل أن تجد طريقها إلى هذا الإصدار. غير أن جمعها في كتاب واحد لم يكن مجرّد عمل توثيقي، بل بدا وكأنه محاولة لإعادة ترتيب مسار من التفكير، وإظهار الروابط الخفية بين موضوعات قد تبدو متباعدة في ظاهرها.
فالكتابة هنا لا تتحرّك في خط مستقيم، بل في دوائر متقاطعة، حيث تعود الأسئلة في صيغ مختلفة، وتظهر القضايا في سياقات جديدة، بما يجعل القارئ يشعر أنه أمام تجربة تتطور بمرور الزمن، لا أمام نصوص معزولة عن بعضها. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره سيرة فكرية غير مباشرة، تتجلّى فيها ملامح الاهتمامات التي شغلت الكاتبة، والتحوّلات التي رافقت رؤيتها للواقع.
ولعل ما يميّز هذا المسار أن النصوص لم تُكتب بقصد أن تكون فصولاً في كتاب واحد، بل وُلدت في لحظاتها الخاصة، ثم اجتمعت لاحقاً لتكوّن صورة أشمل. وهذا ما يمنح العمل صدقه وحيويته، لأنه يحتفظ بأثر الزمن الذي كُتب فيه، وبأثر التجربة التي دفعته إلى الظهور.

الكاتبة التونسية رانيا الحمامي تحمل كتابها ” بين السطور …فكر امرأة “

من قضايا المرأة إلى أسئلة الفكر والهوية

تتوزّع مقالات الكتاب على محاور متعدّدة، لكن القارئ يلاحظ أن بينها خيطاً فكرياً مشتركاً، يتمثل في الانشغال بالإنسان في علاقته بذاته وبمجتمعه وبالعالم. فالقضايا التي تطرحها الكاتبة تمتد من موضوعات المرأة والوعي والهوية، إلى أسئلة الفكر والثقافة، وصولاً إلى قضايا تبدو في ظاهرها تقنية، مثل الهندسة والبيئة والتغيّر المناخي والموارد الطبيعية، لكنها تُطرح هنا في إطار إنساني وفلسفي أوسع.
ففي النصوص التي تتناول قضايا المرأة، لا تكتفي الكاتبة بالحديث عن الحقوق أو الأدوار الاجتماعية، بل تحاول أن تربط هذه المسائل بسؤال أعمق يتعلق بالوعي وبطريقة النظر إلى الذات وإلى الآخر. أما في المقالات الفكرية، فإنها تتجه إلى مساءلة المفاهيم السائدة، وتفكيك المسلّمات التي تتحوّل أحياناً إلى عوائق أمام الفهم.
وفي المقابل، حين تنتقل الكتابة إلى موضوعات البيئة أو التغيّر المناخي أو الموارد، فإنها لا تتعامل معها بوصفها مسائل تقنية بحتة، بل باعتبارها قضايا إنسانية مصيرية، تمسّ مستقبل المجتمعات، وتفرض إعادة التفكير في علاقة الإنسان بالعالم الذي يعيش فيه. ومن هنا يكتسب الكتاب طابعه الشامل، لأنه لا يحصر نفسه في مجال واحد، بل ينفتح على أسئلة متعدّدة يجمعها همّ معرفي واحد.

المقالة كمساحة للتفكير في زمن التحوّلات

يقدّم هذا العمل نموذجاً للكتابة التي تنطلق من متابعة الواقع، لا من الانفصال عنه. فالنصوص الواردة فيه مرتبطة بسياقات تونسية وعربية وعالمية، وتعكس تفاعلاً مباشراً مع ما يجري في المجتمع والثقافة والسياسة والفكر. ولهذا تبدو المقالة هنا أقرب إلى مساحة للتفكير الحر، منها إلى نصّ يهدف إلى تقديم أجوبة جاهزة.
إن القارئ يلمس في هذه الكتابة حضور التجربة الشخصية، لا بمعنى السيرة الذاتية، بل بمعنى المعايشة المباشرة للأسئلة. فالكاتبة لا تكتب بعد أن تنتهي الأحداث، بل تكتب وهي داخلها، تحاول أن تفهمها وأن تضعها في إطار أوسع. وهذا ما يمنح النصوص طابعها الحيّ، لأنها تحمل أثر اللحظة التي وُلدت فيها، وأثر الموقف الذي تشكّل داخلها.
وفي هذا السياق، يكتسب الكتاب قيمة خاصة في زمن تتزايد فيه الكتابات السريعة والجاهزة، إذ يذكّر القارئ بأن التفكير لا يمكن أن يكون عملية آلية، وأن المعنى لا يتكوّن إلا عبر تجربة إنسانية تعيش السؤال قبل أن تصوغه في كلمات.

أثر الزمن وأثر التجربة في مواجهة الكتابة الآلية

من الأفكار اللافتة في تقديم هذا الكتاب تأكيده على أن النصوص التي يضمّها تحمل أثر الزمن الذي كُتبت فيه، وأثر الموقف الذي تشكّل داخل اللحظة، وأثر الإنسان الذي عاش السؤال قبل أن يدوّنه. وهذه الفكرة تمنح العمل بعداً إضافياً، لأنها تضعه في مواجهة نمط جديد من الكتابة يقوم على المعالجة الآلية للمعطيات، من دون أن يمرّ عبر تجربة إنسانية حقيقية.
فالكتابة، في هذا الكتاب، ليست مجرّد ترتيب للأفكار، بل هي نتيجة احتكاك مباشر بالواقع، ومسؤولية تجاه ما يُكتب، وتجاه ما يترتب عليه من مواقف. ولهذا تبدو النصوص وكأنها شهادات على زمنها، بقدر ما هي محاولات لفهمه.
ومن هنا يمكن القول إن «بين السطور… فكر امرأة» لا يدعو القارئ إلى الاتفاق مع كل ما يرد فيه، بقدر ما يدعوه إلى المشاركة في فعل التفكير نفسه، وإلى النظر في القضايا المطروحة من زوايا مختلفة، بعيداً عن الأحكام الجاهزة.

كتاب يفتح الأسئلة أكثر مما يقدّم الأجوبة

يقدّم كتاب «بين السطور… فكر امرأة» تجربة فكرية تجمع بين تعدّد الموضوعات ووحدة الرؤية، وبين الكتابة المرتبطة باللحظة والبحث عن معنى يتجاوزها. وهو عمل يذكّر بأن المقالة يمكن أن تكون فضاءً للتأمل، وأن الكتاب يمكن أن يكون مساراً في التفكير، لا مجرّد تجميع لنصوص متفرقة.
لقد اختارت الكاتبة التونسية رانيا الحمامي أن تجعل من هذه النصوص خيوطاً تنتشر في اتجاهات مختلفة، لكنها تلتقي في رؤية شاملة تسعى إلى قراءة الواقع في تعقيده، وفي تداخله، وفي علاقته بالتجربة الفردية والجماعية. ومن هنا تأتي أهمية هذا الإصدار، لأنه يقدّم للقارئ نصوصاً كُتبت داخل زمنها، وتحمل أثره، وتدعوه في الوقت نفسه إلى أن يقرأ زمنه هو أيضاً، بين السطور.

*شاعر و كاتب صحفي مهتم بقضايا الفكر التنويري و آخر ارهاصات المشهد الثقافي العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى