عيش الموت مش متل الحكي: ليلة الرعب في عائشة بكار

الكاتب زياد كاج
فجر 11 آذار2026، يوم الأربعاء، كان مرعباً، مخيفاً، وقريب جداً من الموت بالنسبة لنا، أنا وزوجتي وابنتي، وكل سكان “زاروب حمود” في منطقة عائشة بكار. وخصوصاً بالنسبة لسكان مدخل الشارع القريب من “دار الإفتاء” و”صندوق الزكاة”. للمنطقة رمزيتها الشعبية الحاضنة لمرجعية روحية لم تغادر وتبتعد عن الناس البسطاء، والأسواق، وعيش شهر رمضان، كما كان أيام زمان: يوم كانت الناس تقتنع بالقليل وتستحي من الكثير.
أتت الصواريخ من الجهة الغربية، من البحر، لتصيب المبنى الملاصق لبنايتنا حيث نقيم بصورة مؤقتة للمرة الثالثة. المبنى سكني، وكذلك الحي. حسبناه، كغيرنا، آمناً!! انها الحرب التي تلغي كل التفاصيل، والعدو أعرفه جيداً منذ حصار بيروت سنة 1982.
نحن عائلة نازحة من الضاحية الجنوبية لبيروت، ولسنا واثقين أننا سنعود يوماً الى بيتنا ونجده كما تركناه. لا تهمني السياسة ولا الشماتة ولا الإيديولوجيا ولا الشعارات. أنا بيروتي علماني، وزوجتي سيّادية على المذهب الجعفري، وابنتي “خليط” تتلمس طريقها في بلد “بدو حلم الله”. المخيف في هذه الحرب أنها لا تفرق بين بشر وحجر. الحرب ليست مزحة، وأرواح الناس، كل الناس، ليست رخيصة. آلة الحرب والصاروخ، لا يميزان بين مسلم ومسيحي، أو بين سني وشيعي.
البلد تعبان يا جماعة، ونحن وكل الناس متعبون، لقد دفعنا لقضية فلسطين الحبيبية الثمن الأكبر، بعد الشعب الفلسطيني. أما آن لهذا البلد الصغير الجميل أن يعيش بأمان؟ نحن شعوب نحفظ التواريخ والسنين من الحروب من الصراعات والحروب: 1840، 1860، 1948، 1958، 1975، 1982، 1991، 2000، 2005، 2006، 2024، و 2026…
نحن شعب يتيم، لا أب له ولا أم… ولا حتى هوية.
بعد عودتي الى العمل في اليوم التالي، اُمطرت بعبارات “الحمد الله ع السلامة”، فقلت يا أصحابي وزميلتي “لقد كبرت عشر سنوات بعد تلك التجربة. كان بيننا والموت شعرة. الحياة لا تستأهل كل الأحقاد والبياخات والشكليات”. فقصدت الحلاق مارون في شارع المكحول كي أخفف الشعر الأبيض في رأسي. أشعر بالهرم، باليأس وأتلمس لذة الحياة من رشفة قهوة الصباح من يدي البنغالي مصطفى في شارع بلس مقابل الجامعة الأميركية.
مر في وجداني شريط عائشة بكار التي أعرف كل بلاطة من أرصفتها منذ طفولتي ومراهقتي. أعرف حديقة المفتي حسن خالد حيث ولدت على يد القابلة فاطمة اللادقي، وأعرف القناة 7 وتلال تلة الخياط، ومحلات “دبوس” الأصلي والعريق، ومقهى المستقبل القديم بكراسيه الخشبية وزبائنه الختايرة بوجوههم وجلساتهم وصفناتهم في اللامكان واللازمان. وأعرف محلات “فروج أبو عصام”، وجامع عائشة بكار، و”فلافل الأصدقاء”، و”محلات الرشيدي”، الذي قام أحد أقاربهم سنة 1958- بحسب خبرية عمي – بخطف عنصر مارينز أميركي وكاد أن يتسبب بأزمة. وأعرف سوق الخضر، حيث تلفتني الريسة فاطمة، صاحبة بسطة الخضار والفاكهة في إحدى الزوايا قرب محطة الوقود. امرأة قوية، قديرة، حقيقية…”أخت الرجال”، تنتش حقوق المرأة بحضورها وعرق جميلها بعيداً من الجمعيات وعيادات التجميل. وجه مشرق حقيقي يشبه عائشة بكار شكلاً ومضموناً. وأعرف الرصيف الحنون المؤدي الى دار الفتوى وصندوق الزكاة. وتكاد الجدران القديمة للمحلة تكلّمني وتفتح معي أحاديث جانبية. ولا أنسى المقهى الذي كان عند مفرق زاروب حمود حيث كان أبي – أبو رياض – يجلس على كرسي خشبي يقرأ بتركيز جريدة سباق الخيل. المقهى شحيح الضوء وأنا أخجل الدخول والتحدث معه، والسيجارة تتحول رماداً بين أصبعيه.”مرحبا أبو رياض. كيفك؟”
يبقى مركّزاً على أخبار الخيل والسباق.
“أتذكُر كيف شاركت في جيش الإنقاذ سنة 48 في فلسطين، وكيف وصفت لي أولئك البدو الذين كانوا يصرخون الله أكبر ويرمون أنفسهم الى الموت المحتم؟!”
“لا جواب!!”.
“بعدنا محلنا… يا أبو رياض”.
لم يعد أحد يعرفني في عائشة بكار. لا هم، هي متعة الغربة في مكان أليف. الناس تقرأ من الشكل. لا يهمني كلام الناس ولا الظل الذي أتركه. جميل أن تكون حزورة تمشي على قدمين. لي أصدقاء كثر في المنطقة، ولي أقارب لجهة أبي. فعائشة بكار كانت ولا تزال الحديقة المفضلة لعائلة أبي وأولادهم، وهي كانت ولا تزال خزان ذكريات الطفولة الجميلة يوم كان عيد الفطر “عيدية” في جيوب ثياب جديدة وقرص معمول. لابنة عمي إيمان وزوجها، وكل فرد من أفراد عائلتها المقيمين في باريس (خصوصاً أمي، أبو كمال، وزوجته أم كمال)، كل الشكر والعرفان بالجميل لمنحنا فرصة الهروب والسكن هرباً من سلسلة حروب ضربت الضاحية والبلد: 2006، 2024 والحرب الحالية. عائلة عمي أبو كمال من العائلات البيروتية التي كافحت وناضلت في باريس ولم تفقد أصالتها البيروتية. ولي ابن عم، أبو طه، حاضر في السراء والضراء. ولي أقارب منتشرون حولنا، كمسبحة حب وصلة رحم، ولو تواصلنا على مجموعة العائلة “الواتسآب”.
لي أصدقاء وزملاء كثر في المحيط: الاعلامية وداد حجاج، زميلة الدراسة في كلية الاعلام والتوثيق، والزميل في الجامعة الأميركية في بيروت، نضال مواس، والزميل الدكتور باسم فليفل، وسمير الديب في كركول الدروز القريبة، وزميل من أيام مدرسة رمل الظريف يمتلك بسطة سمك في الشارع، ولي بيت أمي العابق بالأمان والإيمان في شارع الصنوبرة في رأس بيروت.
في 11 آذار، لم أذهب الى العمل كعادتي. بعد الهجوم الكارثي، خرجنا بثياب النوم إلى السيارة المركونة على مسافة بعيدة، لحسن الحظ، مقابل مكتب المختار طارق عيسى، المرجع وحلال المشاكل. انطلقنا في سيارتي، سالكين طرق فرعية بعكس السير. سيارات الإسعاف والناس كانت بدأت تهرع الى زاروب حمود المنكوب. نكبه عدو لا يرحم، أراد اغتيال إنسان هارب بالكاد نام ليلة. فقتل وجرح ورّوع أطفالاً ونساء وعجائز. وحوّل شارعاً سكنياً هادئاً، في لحظات، الى منطقة ضربها زلزال .
بيت أمي، أم رياض، مريح نفسياً. ربما هو إحساس وهمي، لكنه أفضل من الخوف والرعب. أمي قديسة – حسب وصف الأستاذ محمد بكري الذي جاورنا في البناية في الثمانينات. كأن أم رياض في كبرها، أيقونة رحمة وحماية في زمن خلا من الرحمة. بيت الأهل، الذي تديره أختي عايدة، المدبرة والصبورة، ملاذنا الأخير. بيت متواضع من غرفتين، واجهته زجاجية حديدية، تبدو من خلفها شجرة مانغا خضراء تألفها العين.
تلك اللحظات الرهيبة من صباح الأربعاء، علمتني، رغم رعبها، أن لا شيء قيّماً في هذه الحياة الفانية، غير الصحة والأمان… وعبارة “الله يرضى عليك” من أم رياض التي لم تعد تستطيع أن تعدّ المبلغ المعطى لها.
سنة 1982، نجونا من قذيفة بارجة استقرت على بلاط ملعب كرة السلة في مدرسة الروضة. والبارحة، نجونا من صاروخ لم ينفجر استقر على كنبة في شقة في الطابق السادس.
كم نحن بأمس الحاجة للاستقرار والعيش بسلام.
نقلا عن موقع المدن




