تشيخوف و يونا كانا معنا / قصة قصيرة/ بقلم القاصّة سمية تكجي

تشيخوف و يونا كانا معنا
خلال الحرب و تفاقم ازمة النزوح تعودت ان اركن سيارتي و اقصد المكان الذي اريده إمّا سيرا على الاقدام و إما بسيارة أجرة … و كما يقال من يمشي كثيرا يرى كثيرا..و كذلك من يستقل سيارة أجرة يسمع كثيرا …و في أجواء الحرب و مأساة النزوح وهي مادة غنية و ساحة تعج بالقصص و طبعا القصص التي تهز كيانك و تحرك فيك مشاعر الأسى و الحزن العميق
سائق الأجرة النازح كان ساهما عيناه في البعيد حتى انني قلت له اكثر من مرة ان ينتبه من السيارات الأخرى او من شخص يقطع الطريق ، ثم احيانا كان يتنهد ثم يضرب المقود بيديه ضربا خفيفا منتظما يشي على توتره الشديد ثم فجأة
بدأ بالكلام من دون اي كلمة تمهد للحديث
و كأنه كأئن أغمض عينيه و أطلق العنان لروحه المتعبة …!!!
هذا السائق الذي يعرف الطرقات جيدا و يعرف اجتياز الحواجز و كانه اليوم لا تسعفه تجربة عمر قضاه خلف المقود و أشخاص من كل الاجناس اقلهم و تحادث معهم و استمع اليهم هو اليوم سجين النزوح لا يعرف كيف يتجاوز حتى عتبته
و انا في المقعد الخلفي من السيارة و في الصف الأمامي من الجرح نفسه ف انا ايضا نازحة
بدأ:
(عيلتي عند بنتي و عند بنتي في عيلة زوجها انا بروح بس بتحمم و بضهر بشتغل عالسيارة …ما بدي تقل عليها اكتر و اذا سألوني وين عم تنام بقلهن عند واحد صاحبي بس الحقيقة انا بنام كل يوم بالسيارة حد البحر 😥
بتعرفي اجرة الغرف بأي أوتيل مش قدرتي)
ربما هي قصة من آلاف القصص و هناك الأفظع و الأقسى
و هذا الحديث امتد طول المسافة و كنت اشاركه مشاعره و احس بوجعه و تمنيت لو كنت قادرة على تحسين ظروف نزوحه
لكن … هنا بالذات تدخل تشيخوف و قصصه التي
تكتب و تقرأ بوقت قليل و لكنها تقارب حياة بأكملها و تكشف ببساطة لا تفرط بالعمق عن دواخل شخصياته التي تضج بكل المشاعر في واقع متوحش…و هل هناك أبشع من الحرب !!
وقصة تشيخوف التي اعدت قراءتها مؤخرا
” التعاسة” TRISTEZA و المقصود منها ان الإنسان بحاجة الى من يسمعه في لحظات الأحزان الكبرى …هي تروي قصة الحوذي يونا الذي يجوب شوارع المدينة الباردة المغطاة بالثلوج و الوحدة و يحاول في الوقت ذاته اختراق قلوب الزبائن حين يحدثهم عن لوعته بفقد ابنه الوحيد…لكنه لا يجد الا اللاميالاة …!!!
و كان كلما ترجل احدهم الى العربة…يحاول ان يتكلم فقط من أجل أن يُسمع …و بين كل زيون و آخر يعود الى صمته و خضوعه و ووحدته فلم يكن يغضب و لا يشكو !!
و في النهاية لم يبق الحوذي يونا الا حصانه الوفي
حين أصابه اليأس و لم يلق أذنا صاغية لحزنه
فقال له
لا مال كاف لشراء الشوفان
لذا اكتف اليوم بالقش و التبن
و بدأ يونا يتكلم و حصانه يستمع ….و يزفر زفرات مبللة و دافئة
كم من نازح اليوم يشكون ثقل الروح و الفقد و الأهوال على انواعها….
و ظل السؤال يلاحقني هل مر على هذا السائق زبائن شبيهون بزبائن الحوذي يونا
هذا السائق لا حصان عنده يشكو إليه…




