أدب وفن

قراءة أدبية في ديوان د. محمد توفيق أبو علي ” لامرأة تصوغ الشمس عقدا من الياسمين”

ميار برجاوي

كاتبة و إعلامية

“الضوعُ والياسمين” البطلان شبه الرئيسيان في كتاب #لامرأةتصوغ الشمس عِقدًامن_الياسمين الموزّع على ثلاثة أبواب أساسيّة ألا وهي الشعر والحكايات والخواطر، والصادر عن دار ناريمان للنشر.
من يقرأُ للشاعر القدير د. محمد توفيق أبو علي ويعرف عناوين مؤلّفاته السابقة يدرك أن الياسمين وضوعه لغته، وأنّ مداد حبره يعبق بهذه الزهرة التي يمنحها روحًا وحواسًا، ويسقطها بمختلف حالاتها كرمزيّة على أشخاص وطباع ومواقف، ويمرّر عبرها رسائل وعبر بسيطة وعميقة، بتأمّلات فلسفيّة وبانسياب وإحساس مرهف، عن العلاقات الإنسانية والوجدانيّة كما الحب والصداقة والوقت والأخلاق وحتّى السياسة والقضايا الهامّة كفلسطين المحتلة وأبطالها والرسول الأكرم.
الحوارات غنيّة في الشعر كما الحكايات، تكثر بين الشاعر -اللاعب الرئيسي للأحداث- وبين الزهرة والضوع والعديد من عناصر الطبيعة والحياة. ومن روائعها حوار الماء مع الماء، حيث يتجلّى إحساسه بالماء على مرّ القصائد كما في تعبيره:”ماذا على قطرة الماء إن ساورها العطش إذا شكت ما تعاني إلى المجرى…” و”الينابيع ظمأى… والماءُ ينشدُ ماء”، وقد جعل “القحطُ أيبس حرفا في معاجمنا”.
وأمّا الحب فيبدو طبيب العلل في أكثر من سرد، ويركّز على لسان حال النبض: “قال نبض لقلوب يابسة أتسيرُ السفنُ فوق اليابسة”، ويُعلي الشاعر من شأن الوفاء بالذات: “وهتف هاتفٌ: أجملُ من الوفاء الوفاء”، وفي كل معركة يستخدم الحب سلاحا:”ما أجمل الحب سبيلا للانتقام من الغادرين” ، فـ “جبرُ المرايا المنكسرة لا يعيد للوجوه نضارتها، إلّا بالحبّ!”…
الحبكة والعقدة والحل تصوغها جملة واحدة أحيانا، ومن رسائله الإنسانية التي ستقف عندها مطوّلا رغم بلاغة اختصاراته: “خبّأتهم طيّ الجفون وحينما حدّقت فيهم أنكروني في الضّحى فعرفتُ أنّ القمح ينسى حقله والخبزُ يُنكر ما تعانيه الرّحى”
“رحتُ أسأل خطوي:أين مضيتُ؟ وكيف مُحيت؟ وكيف…” الإيجاز هنا يدفعك لتكثيف تأمّل خطواتك وعلاقتك بذاتك، فحتّى العلاقة مع الذات خصّها بمساحة من الكتابات.
كلّ خاطرة وحكاية وقصيدة تستحق الوقوف عندها على حدى ولكن أختمُ بخاطرة غرقتُ فيها مطوّلا ولم أشبع من متعة التنقيب في معانيها: “حين يعاني الجمرُ البرد، ويستغيثُ الماء من العطش، وتبحثُ الشمس عن ظلّها، إلجأ إلى قلبك، وافتح مصاريعه لإيواء المحبّين” وهذا ما شدّد عليه الكاتب في خاطرة برأيي تستحق أن توضع جنب كل دور علمٍ وعبادة لأنّ بمثلها تُبنى الحضارات: “التعصّب ماءٌ مالح، لا تروى به العقائد”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى