منتديات

مجازر غزة : بين الدهشة و التعوّد

السفير د. علي عجمي

مجازر غزّة:

بين الدهشة والتعوّد

أكثر من خمسة أشهر مرت

وغول القتل الصهيوني لم يشبع بعد

فالمجازر التي يرتكبها جيش الاحتلال

لم تتوقف لحظة واحدة

والقصف الهمجي الإسرائيلي

لم يوفر بشراً ولا شجراً ولا حجراً

وحملة الإبادة المرعبة بحق الغزاويين

نساء وشيوخاً وأطفالاً

تتواصل كأنها مسلسل دامٍ يومي لا تنتهي حلقاته

والسواد الذي يغطي الآفاق

يزداد قتامة ورعباً

والخنوع العربي الساطع

يزداد ذلاً واستسلاماً

والسؤال الذي نردده في كل ساعة

ماذا بعد؟

وكيف ستتظهر صورة المستقبل؟

إن أكثر ما يرعبنا حقاً

هو مسألة التعوّد

التعوّد على هذه اليوميات المتواترة

من القتل والقتل والقتل

حتى لكأنها أصبحت جزءاً ثابتاً مما نعيشه

ترافقنا أينما حللنا

وعندما يعتاد الإنسان على أمر ما

يخف عنصر الدهشة والغرابة والفجاءة

ويتحول بشكل تلقائي تدريجي إلى روتين يومي رتيب

وهل هناك ما يرعب أكثر من هذا

أذكر أننا في البدايات

كنا نشتعل غضباً وقهراً

كلما سمعنا خبراً عن مجزرة هنا أو هناك

أو كلما شاهدنا صوراً لأطفال

مزقت أجسادهم الطرية همجية الصهاينة

والآن ماذا؟

تُراها عقول العالم وعيونه وقلوبه

اعتادت على مشاهد القتل والموت والدمار

وكأنها أصبحت حدثاً يومياً عابراً ومألوفاً

بل كأن تلك الأخبار باتت تمر

مثلما تمر أخبار الفن والرياضة

ما عاد قصف المستشفيات المدنية أمراً يسترعي الانتباه

وما عاد موت أطفال غزة

بسبب حرب التجويع التي يمارسها جيش الاحتلال

يثير ردات الفعل

التي ينبغي أن يثيرها

من الزاوية الإنسانية قبل أي شيء آخر

بل ما عادت صورة الإنسانية

وهي تمزّق وتغتصب وتقتل كل يوم

في أحياء غزة وشوارعها المدمرة

تثير دهشة العالم

أو تحرك ماء عربياً راكداً مثل موت مستديم

ولست أبالغ إذ أقول

إن علينا أن ننتظر الكثير بعد

فرغبة الصهيوني في ارتكاب المجازر والفظائع لا حدود لها

وشهوته لابتكار أساليب جديدة في حرب الإبادة لا تريد أن تتوقف

وأطماع إسرائيل في التوسع يبدو أنها آخذة في التمدد

وسط رضى غربي وانهزام عربي

ولن نستغرب بعد اليوم

أن تقوم إسرائيل بأي شيء على الاطلاق

يروى أنه بعد حرق المسجد الأقصى سنة 1969

على يد متطرف أسترالي الجنسية يدعى مايكل دنيس روهان

قالت رئيسة وزراء إسرائيل آنذاك غولدا مائير:

(لم أنم طوال الليل

كنت خائفة من أن يدخل العرب إسرائيل أفواجاً من كل مكان

ولكن عندما أشرقت شمس اليوم التالي

علمت أن باستطاعتنا أن نفعل أي شيء نريده

فهذه أمة نائمة)

والآن ماذا قد يحصل؟

فيما الأمة انتقلت من السبات

إلى الموات

ونسأل

هل سيكون باستطاعة إسرائيل

أن تفعل أي شيء

أي شيء تريده وتخطط له

حتى لو تعدّى الأمر حدّ إحراق المسجد الأقصى

إلى هدمه

بحثاً عن هيكل سليمان المزعوم

أو التعدّي على سواه

من المقدسات الدينية الإسلامية والمسيحية في القدس وبيت لحم والخليل

دون أن تحرك نأمة واحدة

في هذا المستنقع العربي المتمدد كجثة هامدة

بين ماء المحيط وماء الخليج

د. علي عجمي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى