قراءة د. رنة يحي *في رواية “سيّدات الحواس الخمس” للرّوائي جلال برجس

شكرا لكل هذا الضوء “مثوى الفراش الأخير”في حبرك وفكرك وفي داخلي.
“عندما تريد اختبار شيء ما ؛لا تجعل الشّمس أمامك؛بل اجعلها وراءك؛ وقدّم قلبك عليها. ثمّة شموس وراء قفصك الصٍدري بإمكانها أن تنير الكون بأكمله. ” هكذا كتب جلال برجس روايته بشمسه.
رحلةٌ بدايتها “الحياة لعبة…”ونهايتها “مانفع حواسنا الخمس؛إن لم تكن لها القدرة على التنبّؤ بما يحدث لنا. “
لن أبالغ وأقول إنّها أجمل الروايات؛ولن أقرأ مثيلا لها ربّما؛ لكنني سأقول إنّها زوّدتني بالكثير الّذي أريد وحرّكت فيّ ما دفعني لأن أدوّن في مفكرتي الخاصٍة كلّ ما اخترق قلبي منها؛ وهذا يعني الكثير الكثير.
وددت أن أقدم قراءة خاصّة لهذه الرواية بمنتهى حضوري فيها. لقد قطفت من بستان صفحاتها ثمارا ناضجة من شتّى الأصناف لدرجة أن اختلط الأمر عليّ؛ هل أنا في كتاب فلسفة أم في مقام صوفيّ أم في قصيدة أم في رواية أم في كتاب تاريخ أم في مقالة إجتماعيّة أم في تحليل سياسيّ أم في خطاب وطنيّ أم في شذرات وجوديّة أم في حالة عشق أم وأم وأم… ؟
أعترف “سيدات الحواس الخمس” للكاتب والرّوائي جلال برجس أيقظت حواسي جميعها؛ فخيّل إليّ في لحظة من اللحظات أنّي “سراج” بطل الرواية بل سراج الحياة. فجلّ ما عليّ فعله أن أكون سيدة حواسي وأن أوقظ السّيدات الأخريات في داخلي.
فعن حقيقة الوجود يسأل: أيّ فوضى في اليقين نحيا؟ليجيب :”الحياة لعبة؛ وأن كثيرا من لاعبيها يزيّنون اتساخهم بارتداء ملابس زاهية؛ واستخدام عطور طاغية العبق. ” فليس كل ماتراه تراه؛ وليس كل ما لا تراه عدم. فالوهم سيّد المدينة ؛ وأننا محض كومبارس في جوقتها. بل وأكثر فالرقص لوحة فسيحة نكون فيها مانشاء.

أمّا عن العاطفة والحبّ فيختصر الحب بأنه يحمي أرواحنا من الهشاشة. فحب المرأة بعمق مسافة هوى عبرها حجر إلى قاع البحر ؛ وصرصار الّليل وقت الحبّ يصبح لذيذا على مسامع القلب. وعن حبّه يعبّر “ثلاثة أحصنة تهرع لقلبي:وردة ليمون؛عبق خشب وأغنية. “فالحبّ أنواع تنمو على مهل كوردة التوليب(وردتي المفضلة) الّتي تبدو مجرد بذرة ؛لكنّ البرد يرفعها لتطرح زهرة يانعة. هذه العاطفة المفعمة بالسعادة تتجلى هنا :العمر لا يحتسب بعدد اللحظات السّعيدة الّتي نعيشها؛ إنما بمقدار ما تصنعه هذه اللحظات فينا.
كما الحب والفرح كذلك البكاء له الوقع الطافي في هذا الحبر ؛فالبكاء بمعيّة الماء؛مداراة لتلك الدموع التي تهبط من أعالي الروح إلى حفرة في القلب؛لتزيد بمخزون الفجيعة.
وتغرق في هذه الرواية وتطفو فلسفات تحثك على الإنصات للسّكون؛ فهو سيّد الحزن ؛ وأمير التأمّل وملك باحث عن الإجابة. فليس كل صمت هدوء؛ وليس كل هدوء صمتا. فالشمعة تقاوم الظلمة دونما أي ضجيج ؛حتّى وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة. لترتقي هنا إلى أن يدور البطل كأنه يؤدي صلاة في محراب ذاكرته؛كأنه صوفيّ يرتقي درجات الأطوار السّبعة.
وللصدق والصّداقة والجمال والإنسانيّة مستقر في حبر الراوي. فالصّداقة لقاء مستمر غير متقطع ؛ وتلاق في الأفكار والرغبات. والكلمات الصّادقة كذخائر الجنديّ وقت الحرب؛علينا ألاّ نطلقها جزافا؛كي لا تصبح قلوبنا ذات يوم خالية الوفاض؛ وخرساء أمام بوابة الحياة. يا لهذه الحكم الجميلة! كيف لا ؟ والجمال كما تراه حقيقة تكمن في العطر.
ويخرج الراوي بنزهة نحو الوطن؛ فيعرّفه بأنه ماتسطع عليه الشّمس صباحا؛وماتغيب عنه الشّمس مساء. فيصور لنا المدن حبيبات جميلات؛ وشرفات وفيّة للحكايا. وفي المدن لا تموت الأحلام بسبب تعالي وتيرة الضجيج؛بل حينما تختطفها أياد خفيّة في وضح النهار ؛وتعيدها جثثا هامدة. لذا فساد سياسي سرق الوطن لهي كالخيانة العاطفيّة والعكس صحيح.
كل هذا ينسكب في حواسنا الخمس نبيذا فننتشي.
فالّلمسة دليلنا إلى قلب الأشياء؛إنها كمفتاح المصباح؛منها يتدفّق النّور. والسّمع ليس في الأذن؛هو جهد كلّ الأعضاء. وفي البصر ثمّة ما لا يُختبر طبيا؛ هو الإبصار وراء حجر الغفلة.
وكلّ رائحة طريق؛ وفي كلّ طريق حقيقة ويقين. فثمّة روائح عليها أن تنتشر لتمنح بعدا ثالثا يمكن للنفْس أن تتلقاه وبالتّالي ترتب هذه الروائح الجميلة “الفوضى”.
فكلّ حواسنا تعمل كجيش استجابة لنفير الحرب. فهي جبهتنا الأولى والأخيرة للنّجاة من كلّ هذا الخراب.
نعم؛ رواية”سيدات الحواس الخمس” أيقظت كلّ السّيدات في داخلي ؛ وغدت سيّدة حواسي في مشوار حياتي.
القراءة مختارة من كتاب ” نوافذ نقدية ” الصادر عن دار الفقيه ، للدكتورة رنة يحي
*شاعرة و ناقدة لبنانية