أدب وفنمقالات واقوال مترجمة

ملفّ أسود على مكتب سيلفيا بلاث…

ملفّ أسود على مكتب سيلفيا بلاث:

كتبت ((سيلفيا بلاث)) (٢٧ أكتوبر ١٩٣٢م – ١١ فبراير ١٩٦٣م) روايتها (الناقوس الزجاجي)) وهي عبارة عن سيرة ذاتية، نُشرت قبل وفاتها، بوقت قصير، وتعد الآن من أشهر الأعمال الأدبية الأمريكية، التي ترجمت إلى لغات عدة.
نشرت الرواية في إنجلترا، باسم مستعار، وهو ((فيكتوريا لوكاش)) ثم نشرت عام (١٩٧١م) في الولايات المتحدة الأمريكية بالاسم الحقيقي للكاتبة؛ حيث تتناول الكثير من الأحداث الحقيقية في حياة ((سيلفيا بلاث))، ومن خلالها استطاعت أن تصور أزمتها النفسية، التي أدت بها إلى الانتحار.
تقول ((سيلفيا)) في الرواية على لسان ((إسترجرين وود)) في تصوير أزمتها للقارئ، وعدم قدرتها على الاختيار: ((رأيت حياتي تتفرع أمامي مثل شجرة تين خضراء، في طرف كل فرع تينة قرٍمزية طازجة وممتلئة مثل مستقبل رائع، إحدى هذه التينات كان الزواج ومنزلًا سعيدًا وأطفالًاً، وتينة أخرى تمثل شاعرة مشهورة، وتينة أخرى أستاذة لامعة)). ((ورأيت نفسي جالسة في ظل هذه الشجرة، جائعة بدرجة مميتة، لأنني لم أقرر أي هذه التينات سأختار، لقد أردت كلهن على حِدة، لكن اختيار واحدة يعني فقد الباقي، وبينما أجلس هناك غير قادرة على صنع القرار، بدأ التين في الذبول والتعفن، وسقطت تحت قدمي واحدة تلو الأخرى).
أحداث الرواية تقع في عام (١٩٥٢م) أي قبل عشر سنوات من رحيل الكاتبة، وفيها تسرد خبرتها الحياتية، عندما دعيت إلى مجلة ((مدموزيل)) لتبقى بها يومًا، كضيفة شرف على رئاسة تحرير المجلة، وهناك في ((نيويورك)) المدينة
62
الواسعة والصاخبة والسريعة، لا تستطيع البطلة ((إسترجرين وود)) أن تتأقلم مع الواقع الجديد، بل تصيبها حالة من الإحباط والكآبة، والحزن يتضخم، بسبب إحساسها بالوحدة والعزلة، ومن ثم تقع في براثن المرض النفسي. تعود الكاتبة لتسرد تاريخ البطلة جرين وود، والذي يتشابه مع التاريخ الشخصي لسيلفيا نفسها، فهي تمر بأزمة في علاقتها مع الرجال، وتطرح الرواية علاقة سيلفيا برحلة المرض النفسي وعلاجها في مصحة نفسية.
على الرغم من أن جرين وود تتعرض لفترة طويلة من العلاج النفسي، فإنها في النهاية تتماثل للشفاء، لكن بداخلها رغبة ملحة للفهم وإدراك العالم، الذي تعيشه، وهناك نبرة من التشاؤم، حول الشفاء الكامل لمرضها النفسي؛ لأن العالم الخارجي لا يزال يتسم بالتناقضات، والمتتبع لسيرة جرين وود في الرواية، سيرى أنها وسيلفيا تعانيان من الاكتئاب، إلى حد يصل بهما إلى حافة الجنون، لكنهما ترفضان الواقع وتحاولان أن تثبتا حقهما في الحياة.
وُلدت ((بلاث)) خلال فترة الكساد الكبير في بوسطن، كانت أمها من أصول نمساوية، ووالدها من ألمانيا، وكان فارق السن بينهما ٢١ سنة، ونشرت سيلفيا قصيدتها الأولى في سن ثماني سنوات، وكانت لديها مهارات أخرى في الرسم، وتوفي والدها بعد حوالي أسبوع من عيد ميلادها الثامن.
حين عادت ((سيلفيا)) ذات العشرين عامًا إلى البيت، بعد تدريب مرهق في نيويورك، وجدت نفسها عاجزة عن الكتابة، وتم تشخيص حالتها على أنها مصابة بالاكتئاب، وفي عام (١٩٥٥م) التقت الشاعر ((تيد هيوز)) في حفلة طلابية، وتحول اللقاء إلى مادة أسطورية.
كان ((هيوز)) قد نشر ديوانه الأول ((صقر تحت المطر)) وأصبح اسمه متداولًاً في المنتديات الأدبية، وكانت ((سيلفيا)) بجانبه تدعمه، إلا أن شخصيتها الاستقلالية المتأثرة بالثقافة الأمريكية، قد أثرت في رؤيتها للحياة، ومع توسع علاقات ((تيد هيوز)) العاطفية، زاد إحساسها بالإحباط وعدم التحقق وعاودتها الرغبة القديمة في الانتحار.
٦٣
كانت ((بلاث) تعاني بشكل متقطع من الاكتئاب، وحاولت أن تتكيف مع الأوضاع الصعبة، لكن ولادة أطفالها تسببت في أشهر من العقم الإبداعي والبؤس، وأزعجتها كذلك ذكريات والدها المتوفى، وأدت خيانة ((هيوز)) لها إلى الانفصال عام (١٩٦٢م).
شرع الطبيب، وهو صديق مقرب منها، في صرف مضادات الاكتئاب لها، واستمر في زيارتها بشكل يومي، وحاول بشتَّى الوسائل إدخالها لتلقى العلاج في أحد المستشفيات، لكنه فشل، ومع ذلك وفر لها ممرضة، كان من المقرر أن تصل في التاسعة صباحًا، وعند وصولها لم تستطع دخول الشقة، كانت ((بلاث)) قد ماتت، بعد أن وضعت رأسها في فرن البوتاجاز، لتموت منتحرة في الثلاثين من عمرها. حين وصل الطبيب قال: ((كنت مندهشًا جدًّا أنها فعلت ذلك بنفسها)» لكنها تركت ملفًا أسود على مكتبها، تضمن مجموعة شعرية مهداة إلى طفليها، كانت تكتب الشعر إلى ما قبل وفاتها بأيام، كما تركت ((نبوءة بانتحارها)):
((قطرة الحمراء، مرجل الصباح)).
((نعتقد أننا نكتب لنمتع الآخرين، لكننا في واقع الأمر، نكتب لنقول شيئًا نرغب بشدة في مشاركتهم إياه، هذه الرغبة الغريبة هي لغز حقيقي، لماذا لا نكتفي بالصمت؟ من أين تأتي الحاجة الملحة إلى الثرثرة؟ لماذا يجب على البشر أن يعترفوا؟ ربما لولا هذه الاعترافات السرية لما وجدت القصيدة، لما وجدت القصة، لما وجد الكاتب نفسه)) هذا ما قاله الشاعر تيد هيوز.
كان الشاعر الإنجليزي تيد هيوز وزوجته الشاعرة الأمريكية سيلفيا بلاث أشهر زوجين في الوسط الأدبي الغربي، وقد انتحرت الشاعرة، وعاش الشاعر عمرًا مديدًا ليتزوج بعدها امرأة أخرى ستنتحر أيضًا، ليمضي مصحوبًا بلعنات الجماعات النسوية، حتى وفاته.
وفي روايتها ((أنت قلت) تمنح ((كوني بالمن)) تيد هيوز الذي توفي عام ١٩٩٨ صوتًا، وتجعله يستعيد ذكريات زواجه، مع سيلفيا بلاث التي انتهت بانتحارها



  • عزمي عبد الوهاب كل النهايات حزينة، الهيئة العامة المصرية للكتاب – 2024، ص62 -64
    شكرا لصفحة (عين على التراث لنسخها المقتبس)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى