أدب وفن

عرشُ الدّم”: فلسفةُ الحزنِ المقدّسِ في ديوانِ الشّاعرِ محمد حسن شريم

“عرشُ الدّم”: فلسفةُ الحزنِ المقدّسِ في ديوانِ الشّاعرِ محمد حسن شريم


فاتن مرتضى*



​هناك نصوصٌ تُقرأ، وأخرى تُعاش… ديوان “عرشُ الدّم” للشَّاعرِ محمد حسن شريمٍ ليس مجرد كتاب، بل هو دعوةٌ لرحلةٍ روحيّةٍ تتجاوزُ العينَ لِتستقرَّ في أعماقِ القلب. يحملُ العنوانُ في طيَّاتهِ توترًا شعوريًّا وروحيًّا فريدًا، يجمعُ بين سيادةِ العرشِ وسُلطةِ الدَّم. يرفعُ الشَّاعرُ “الدَّم” من حالتهِ الماديةِ إلى عرشٍ خالدٍ، مؤكّدًا أنَّ أعلى مراتبِ المجدِ ليستْ تلكَ التي تُبنى على القوة، بل على التَّضحيةِ السَّامية. فدمُ الإمامِ الحسينِ لم يكنْ نهايةً، بل أصبحَ مدادًا لسيادةٍ روحيةٍ لا تُقهر، عرشًا يُتوّجُ الشَّهادةَ ويُخلّدُ المبدأ، ليصبحَ رمزًا أبديًّا لا ينالُ منهُ الزَّمان.


​فلسفةُ الدَّم صانعُ تاريخِ الأحرار :
​يُقدّمُ الدّيوانُ فلسفةً عميقةً ترى في الدَّم ليسَ مجردَ رمزٍ للفناءِ، بل هو جوهرٌ وجوديٌّ يمنحُ الزَّمنَ معنى ويصنعُ تاريخَ الأحرار. هذه الرؤيةُ تتجسدُ في قولِ الشَّاعرِ:
​”دمّك نفخ روحو بشريانِ الزَّمان، دمّك كتب تاريخ، دمّك رسمَ أقدار”
​هنا، يرفعُ الشَّاعرُ الدَّم من كونهِ مادةً بيولوجيةً إلى قوّةٍ تكتبُ التَّاريخَ وتُحدّدُ مسارَ العالم. هذه الكلماتُ تُجسّدُ فكرةَ أنَّ التَّضحيةَ هي أعلى أشكالِ السَّيادةِ، لأنَّها تُولّدُ حياةً جديدةً وفكرًا خالدًا يتجاوزُ حدودَ الزَّمانِ والمكان.
​من التَّاريخِ إلى المقامِ الرّوحي :
​منذُ البدايةِ، يتجاوزُ شريمٌ الحدثَ التَّاريخيَّ ليجعلَ من الحسينِ “حقيقةً وجوديةً” و”مقامًا” من مقاماتِ القربِ الإلهي. هذا الحضورُ الكونيُّ يتجدّدُ باستمرار:
​”رجع الزَّمان / يفيّق عيون الجرح / وتهب عاصفة الغياب/ والرِّيح تلعب بالضَّباب/ وتشك بعيون الدّني / عتمة رمح/ أذّن محرم ع صلاة الحزن/ يا عيون حيّ على البكي”
​هنا، لا يعودُ الزَّمانُ كذكرى، بل يوقظُ الجراحَ ويُؤذّنُ لصلاةِ الحزنِ، ممّا يُحوّلُ المشاعرَ إلى فعلٍ عباديٍّ مقدّسٍ يربطُ الألمَ بالسُّموِّ الرّوحي. وتصبحُ الدَّمعةُ سجادةً روحيةً، يفرشُها الشَّاعرُ فوقَ النَّحرِ المقدّسِ في كلِّ صلاة:
​”كلما العصر صلي ركعتيْن، بوجّه عا صحرة كربلا عيوني التنين، وفوق نحرك بفرش دموعي”.
​كما يربطُ الشَّاعرُ بين البكاءِ والألمِ بشكلٍ عميقٍ، حيثُ يقول:
​”دموع الّلي نزلوا عا خدودي / يا حسين / دخان/ طالع من قلب محروق”
​وهذا يُظهرُ أنَّ الدَّمعةَ ليستْ مجرّدَ ماءٍ، بل هي تجسيدٌ لحُرقةِ القلبِ وألمهِ.
​تعدّدُ الأصواتِ شراكةُ الأرواحِ في الألمِ المقدّس :
​تتجلّى خصوصيةُ الدّيوانِ في منحهِ الصّوتَ للشَّخصياتِ المقدّسةِ، فلا يكتفي الشَّاعرُ بروايةِ الحدثِ، بل يدفعُ القارئَ إلى قلبِ المشهدِ ليصبحَ شريكًا وجدانيًّا. هذا الأسلوبُ الفنّيُّ هو أداةٌ روحيةٌ تُجسّدُ الألمَ وتُحوّلُ البكاءَ إلى شراكةٍ عميقة.
​فعلى لسانِ العبّاسِ، لا نسمعُ فقط كلماتِ الوصيةِ، بل نشعرُ بقوةِ الوفاءِ الّذي لا يلينُ: “وصيّة العبّاس لأمِّ البنين / لا تفكريني نسيت الوصيّي / وفيّي يا أمي صار صوتا سكوت / إبنك أنا / وطالع إبن بيّي / متلو أسد عا كل حرب بفوت/”. إنّهُ صوتٌ يجمعُ بين الشَّجاعةِ والالتزامِ الصَّامت.
​أما على لسانِ الطّفلةِ رُقيّة، فيتجسدُ عمقُ الألمِ الإنسانيِّ في صرخةٍ موجعةٍ: “يا ريت فيّي كنت والله بمنعَك، ولو شفتني ما مت ساعتها معك، بكرا يا بيّي بالخرابِه بموت فيك”. هنا، يصبحُ الألمُ رغبةً في الفداءِ، وتتحوّلُ أمنيةُ الموتِ إلى أسمى أشكالِ الحب.
​وفي مشهدٍ مؤثّرٍ، تُعبّرُ السيّدة فاطمةُ الزَّهراءُ عن الفجيعةِ التي تتجاوزُ كلَّ الحدودِ: “حتّى بجسمك ما تركلي السَّيف/ مطرح يا إمي بس / بوسك فيه”. هذا التَّساؤلُ ليسَ مجردَ سؤالٍ عن مكانٍ للقبلةِ، بل هو صرخةٌ فلسفيةٌ عن كيفيةِ صمودِ المحبّةِ والقداسةِ أمامَ أبشعِ صورِ العنف. إنّها لحظةٌ تُظهرُ فيها المحبّةُ قوتَها رغمَ التَّدميرِ الكاملِ، لِيصبحَ الرّابطُ الرّوحيُّ أقوى من الجسدِ الممزّق.
​بهذا، يتحوّلُ القارئُ من متلقٍ إلى شاهدٍ مشاركٍ، حيثُ يتداخلُ صوتُ الشَّاعرِ مع أصواتِ الأبطالِ، ليخلقَ تجربةً شعريةً فريدةً تجعلُ الألمَ حقيقةً ملموسة.
​أسلوبٌ شعريٌّ يجمعُ البساطةَ والعُمق :
​يتّسمُ أسلوبُ شريمٍ بِفرادَةٍ تجمعُ بين بساطةِ اللُّغةِ اللُّبنانيةِ المَحكيَّةِ وعُمقِها الرّمزي. يختارُ الشَّاعرُ مفرداتٍ تخدمُ حَرارةَ العاطفةِ، ويُثبِّتُ المشهدَ في الذَّاكرة. إيقاعُ النُّصوصِ ينبضُ بروحِ الحزنِ، مع اعتمادِ التِّكرارِ كنسقٍ موسيقيٍّ داخليٍّ يُرسّخُ الأثرَ العاطفيَّ، ويُبرزُ فكرةَ الثَّباتِ على المبدأِ مهما كانَ الثَّمن. كما أنَّ الصُّورَ البلاغيةَ التي يستخدمُها الشَّاعرُ، مثلُ “أذّن محرم ع صلاة الحزن”، تُظهرُ قدرتَهُ على الجمعِ بين الطُّقوسِ الدّينيةِ والمشاعرِ الإنسانيةِ، ممّا يخلقُ مشهدًا فريدًا يُثري التَّجربةَ الشِّعريةَ للقارئ.
​من الحزنِ إلى التَّحدّي :
​لا يتوقفُ الشَّاعرُ عند الماضي، بل يجعلُ من كربلاءَ “حقيقةً نابضةً في الحاضر”. فالتَّضحيةُ ليستْ حِكرًا على زمنٍ مضى، بل هي قيمةٌ متجدّدةٌ في كلِّ عصر. الألمُ الّذي يرفعُهُ الشَّاعرُ إلى مرتبةِ العبادةِ ليسَ مجردَ حزنٍ، بل هو تعبيرٌ عن رفضِ الظُّلمِ المتجدّدِ في عالمنا اليوم. بهذا، يُصبحُ الشِّعرُ الحسينيُّ صوتَ تحدٍّ متجدّدٍ يستلهمُهُ القارئُ لمواجهةِ الظُّلم.
​نهايةُ الرّحلةِ: من الوَجدِ الشَّخصيِّ إلى المقامِ الخالد :
​في نهايةِ الدّيوانِ، يُخاطبُ الشَّاعرُ الحسينَ بصدقِ العاشقِ: “نور الحسين.. والحياة ينام فيها العتمُ… والظُّلم صوتُه يموت”. وبإيمانٍ ثابتٍ يرسمُ صورةً مؤثّرةً: “قبري ما تسكّروا عليّي / لا تسكّروا لي العينتين / جايي الحسين”. هذه الأبياتُ تُظهرُ أنَّ النّصَّ يُكتبُ من داخلِ التّجربةِ الرّوحيةِ، ويجعلُ من كربلاءَ مقامًا خالدًا. كما يتّضحُ أنَّ الشَّاعرَ يربطُ بين الألمِ المقدّسِ والصَّلاةِ بشكلٍ متجذّرٍ في وعيهِ حتّى أثناءَ النَّومِ، كما يقول: “ومن قبل مشوارِ المنام / بقرا/ بسورة كربلا/ آية حسين/ وبيسبحوا عيوني بكي/ وبنام /”.
خاتمة :
​خصوصيةُ شريمٍ تكمنُ في أنّهُ يكتبُ من عمقِ التّجربةِ الشَّخصيةِ، فلا يكتفي بتكرارِ ما قالهُ السَّالفونَ، بل يجعلُ من كلِّ مشهدٍ صلاةً، ومن كلِّ صورةٍ مناجاة. وفي زمنٍ كثرَ فيهِ المقلّدون، يُقدِّمُ “عرشَ الدَّم” لغةً محكيّةً صافيةً، مشبعةً بالرّموزِ، وتُقدِّمُ فلسفةً متكاملةً للألمِ المقدّسِ، تجمعُ بين القداسةِ والاستمراريةِ والتَّحدّي. هذا التَّجديدُ في الشَّكلِ والمضمونِ يجعلُهُ شاعرًا يجمعُ بين أصالةِ الشِّعرِ الحسينيِّ وروحِ العصرِ، لِيُؤكّدَ أنَّ بكاءنا على الحسينِ ليسَ دليلًا على ضعفهِ، بل هو اعترافٌ بقوتِهِ الّتي لم تكنْ في النَّصرِ على الخصمِ، بل في التَّمسكِ بالمبدأِ حتّى آخرِ قطرةِ دم. إنّهُ اعترافٌ بأنَّ أعظمَ قوةٍ هي تلكَ الّتي تختارُ التَّضحيةَ من أجلِ الحقِ، وهو ما يجعلُ منهُ رمزًا خالدًا لا يُغلب.


كاتبة وناقدة لبنانية*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى