أدب وفن

“العائلة بعدسة الوعي” رحلة حياة نفسية تربوية واجتماعية للكاتبة كارولين شادارفيان

العائلة بعدسة الوعي” رحلة حياة نفسية تربوية واجتماعية للكاتبة كارولين شادارفيان


ميشلين مبارك*

“العائلة بعدسة الوعي” هو الكتاب الجديد للباحثة في علم النفس التربوي والعائلي كارولين شادارفيان. الكتاب البحثي الصادر عن دار ناريمان للنشر 2025 يسلطّ الضوء على النشأة الأولى في الوطن الأول آلا وهو العائلة. من حبّ العائلة، بذور وعي العضو فيها إلى فهمه ونضجه وكل ما يشكل ذلك من مسار في حياة الإنسان.
هذا الكتاب الذي يقع في 520 صفحة من الحجم الوسط، يُعتبر موسوعة في علم النفس العائلي والاجتماعي لما يحتويه من أبواب شاملة ومفصّلة حول مجمل المواضيع التي تطال العائلة في رحلتها في الحياة، وبالتالي علائقها مع المجتمع، مع ما يشمله من تفسيرات للأدوار التي تلعبها الشخصيات داخل العائلة التي تصبح جزءًا من هُوية الفرد-الإنسان والإنسان المجتمعي وبالتالي الإنسان المواطن.

غلاف كتاب ” العائلة بعدسة الوعي ” للكاتبة كارولين شادارفيان


يقسم الكتاب إلى سبعة عشر قسمًا إضافة إلى الإهداء. تستهله الكاتبة شادارفيان برحلة في وعي العائلة، تشرح فيها ما يقدمه الكتاب من خارطة طريق وما تقدمه الصفحات التي تبوح بمكنونات النفس، وكما تقول الكاتبة “لأنّ النفس البشرية أشبه ببلور متعدد الأوجه، كل زاوية تكشف انعكاسًا مختلفًا للضوء” (ص:19)، فما أصدق هذا التشبيه الذي يعكس فهم كل قارئ وقارئة للقضايا المطروحة.

خلال حفل التوقيع


الجزء الثاني حمل عنوان “بداية الحكاية”، تفتح فيه الكاتبة دفاتر العائلة على مصراعيها لتبرهن بالبحث الوصفي وبالبحث التحليلي المعمق كيفية عمل النظام العائلي بعيدًا عن العزلة، بل هو نظام متشابك مع البيئة المتعددة الأطراف التي تشكل المجتمع، وماهية أشكال التعامل مع النماذج المحيطة بنا. لنصل إلى “حين يصبح البيت مرآة” فتأخذ الكاتبة يد القارئ للغوص معها في الأمور البيتية لتفاصيل العائلة معتمدة على الأسلوب المقارن للمبادئ والسلوكيات المعتمدة داخل العائلة وبالتالي انعكاساتها على حياة الطفل بالمحافظة على التوازن.


أمّا في الجزء المعنون “محاولات البقاء: أدوار وأقنعة” فتبرهن شادارفيان بالبحث البيني والمقارن ومن خلال نماذج حياتية وقصص رمزية، كيفية تشكيل العلاقة بين الأم والطفل أو بين الأب والطفلة وأنماط الشخصيات المحتملة، ثم يستخلص القارئ أهمية الوعي في كسر المخططات غير المكتملة لإعادة تشكيل الذات بشكل صحيح.


ومن أحجية الطفل والطفولة إلى الصدمة غير المرئية ثم الوراثة الموجعة، يتأثر النظام العاطفي والنفسي داخل العائلة ويؤثر في المجتمع، فتشكل البيئة ثقافة المرء لنصل مع الكاتبة إلى جزء “كي لا يبقى صوت البداية صدى حتى النهاية” (ص:341) فيه تطرح الكاتبة الخطوات التي يجب اتباعها لمنع تصادم الهوية مع التكوين.
مما لا شك فيه، أنّ رحلة الوعي تتطلب رحمة ورأفة ليخرج المرء بنفسية صحيحة من العائلة إلى الحياة الخارجية، فتقول الكاتبة في الصفحة 460: “حين يُكمل الإنسان الطريق بحقيبة من الأمس تبقى حمولتها ظلاً لا يغادر الكتف” فالحقائب النفسية هي استعارة رمزية للحمولة العاطفية على حدّ تفسير علم النفس، لذلك فإنّ الشفاء لا يبدأ بالحذف بل بالفهم والوعي. هذه الخلاصة التي تطالعنا في هذا الكتاب القيّم.


بالوعي والفهم والإدراك تنكشف العديد من الحقائق أمامنا لندرك أهمية صحتنا النفسية في مجتمع مأزوم يعاني المرء فيه للوصول إلى طريقة عيش سليمة. كتاب اعتمدت فيه كارولين شادارفيان على مراجع علمية موثوقة عربية وأجنبية مقدمة مادة غنية للأب والأم بأسلوب سلس ومنهجي واضح ومنطقي. “العائلة بعدسة الوعي” لا شك يغني مكتبنا وينير عقلنا.

*شاعرة و صحفية لبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى