وسائلُ التواصلِ الاجتماعيِّ بين المواجهةِ والعزلةِ

الدكتور حسين بدر الدين
وسائلُ التواصلِ الاجتماعيِّ بين المواجهةِ والعزلةِ
نعيشُ اليوم في عالمٍ يتغيّرُ بسرعةٍ مطّردةٍ، بفعلِ تأثيراتِ التّطوّرِ التكنولوجيِّ على مجتمعاتِنا الإنسانيّةِ، حتى طالتْ مجالاتِ حياتِنا كلّها. وبِتنا في زمنٍ، لم تعدْ العزلةُ فيه بممكنةٍ، أو حتى بجائزةٍ. ولعلّ أبرزَ هذه التأثيراتِ، تتجلّى في وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ. وفي هذا المجال، يَطرحُ السؤالُ نفسَه، عن الطرقِ التي تمكّنُنا من مواجهةِ هذه التأثيرات، والتقليل من تداعياتها السلبيّة.
عندما دخلَ التلفازُ إلى بلادِنا، اختلفتِ الآراءُ بين مؤيّدٍ لاستعماِله ومعارض. الذين عارضوا، كانت حجتُهم، أنّ هذه الآلةَ الغريبةَ العجيبةَ في وقتها، تتعارضُ وقيمنا الدينيّة والأخلاقية. ومنهم من ذهب إلى تأويلاتٍ وإسقاطاتٍ تاريخيّةٍ، ما أنزل الله بها من سلطانٍ، إذ جعلوه وجهًا من وجوه الشيطان. والذين أيّدوه، شدّهم إليه هذا الجديدُ الذي أتى به؛ فهو يتكلّم وليس بإنسانٍ، ويحدثُك وليس فيه روحٌ، يدورَ بك حول العالمِ، وأنت جالسٌ على مقعدِك. وما هي إلا سنواتٌ قليلةٌ، حتى بدأ هذا التلفازُ ينتشرُ في مجتمعنا، ودخل كلّ بيتٍ من بيوتنا، فصارَ وجودُه حاجةً أساسيّةً، لا يمكن الاستغناءُ عنها.
وما شهدناه في التلفاز، شبيهٌ بما نشهدُه اليوم في وسائلِ التواصلِ الاجتماعيّ، فإذا كان التلفازُ قد دخلَ كلّ بيتٍ، فإنّ وسائلَ التواصل الاجتماعيّ أصبحت في متناول كلّ فرد، وفي هذا أيضًا، تباينت آراء النّاس واختلفت. فقد رأى المعترضون أنّ الكثير من هذه الوسائلِ تشكّلُ بمحتواها وجهًا من وجوه الفساد لأبنائهم، وانتهاكًأ لخصوصيّاتهم، بل تحطيمًا للنظام الأسريّ، الذي يقومُ على أساسِه مجتمعُنا الشرقيُّ. ولهم الحقُّ أنْ يذهبوا بعيدًا في اعتراضهم، لما تحملُه هذه الوسائلُ من محتوى، أتقنَ أصحابُه صنعَه، حتى يصلوا إلى غاياتهم المشبوهة. أمّا المؤيدون، فقد رأوا أنّنا بتنا نعيشُ في واقعٍ فرض نفسَه علينا بقوّة، وليس راجحًا عقلا، أنْ ندسّ رؤوسنا في التراب، ونتعامى عمّا يدورُ حولنا، ونعبّر عن عجزنا بخطاباتٍ رنّانة لا طائلَ منها؛ ما يفرضُ علينا أنْ نتخذَ خطواتٍ جريئةً غير تقليديّةٍ، كأنْ نواجه المحتوى بصناعةِ محتوى مقابل.
وعلى هذا الأساس، لا يمكن لنا أنْ نقلّل من أهميّةِ صناعةِ المحتوى، ودورِه في قلبِ الأحداث، وخصوصًا تلك التي تكتسبُ أهميّةً عالميّةً. فالمحتوى الذي نقلَ الجرائمَ والإباداتِ الجماعيّة، التي ارتكبها العدو الإسرائيليُّ في غزّة، على أيدي النّاشطين المؤمنين بالإنسانيّةِ وقيمها السّامية، وخصوصًا الأجانب منهم، غيّر المزاجَ العالميَّ في نظرتِه إلى ما يُسمّى “دولة إسرائيل”، وأظهرها دولةً مجرمةً مارقةً، على خلافِ ما كان يصوّرُها به الإعلامُ الغربيُّ، لسنواتٍ عديدةٍ من الزمن، بأنّها واحةٌ للديمقراطيّةِ والحريّةِ والسلام. بل وكان أحدَ أهمِّ الأسبابِ في إيقافِ آلةَ القتلِ بحقِّ المدنيين والأبرياء في غزة. والأمرُ نفسُه، بالنظر إلى الأسبابِ التي أدّت إلى فوز عمدة نيويورك زهران ممداني المسلم؛ فبالرغم من الحملاتِ الإعلاميّةِ الكبيرة، التي اضطلعت بها وسائلُ الإعلامِ الأمريكيّة الموجّهة، وأصحابُ رؤوسِ الأموالِ، والسلطةُ السياسيّةُ الحاكمةُ، لتشويه صورتِه، استطاعَ أنْ يسجّلَ فوزًا مفاجئًا، وغير متوقّعٍ، بفضلِ تغيّر مزاج النّاخبين.
إنّ حاجتنا إلى صناعةِ المحتوى، لا تقتصرُ على المواجهةِ فقط، وإنّما تستلزمُ منّا المبادرةَ والذهابَ إلى أبعدِ من ذلك. كأنْ نطرحَ مواضيع ترتبطُ بالهويّةِ الوطنيّةِ والقوميّةِ، فنعززَ بذلك شعورَ الإنتماءِ الى الوطن، والرغبةَ في الدفاعِ عنه، ونعززَ مفاهيمَ الحريّةِ والتحرّرِ. أضفْ إلى ذلك، ما يرتبطُ بنشر القيمِ الإنسانيّةِ السّاميةِ، التي تمجّدُ الإنسانَ وحقوقَه، بعيدًا عن انتمائِه، ولونِه، وطائفتِه، ولغتِه، وقوميّتِه. ناهيك عن ذلك، بأنْ نبادرَ إلى عرضِ الموضوعات التي تطالُ قضايا الإنسانِ الإجتماعيّة، وما يعانيه من مشاكل في حياته اليوميّةِ من صعوباتٍ في المجالاتِ كافة: كالمشاكلِ النفسيّةِ والعاطفيةِ، وضعفِ الثقةِ بالنفسِ، والتوتّرِ الناتجِ عن ضغوطِ العملِ، والخوفِ من المستقبلِ، والمللِ وفقدان الدافعِ، والوحدةِ، والعزلةِ الاجتماعيّةِ، وغيرِها. ومن ثمّ مقاربة هذه الموضوعات، بطرق سلسة محبّبة.
إنّ ضررَ المواجهةِ بالطرقِ نفسِها، التي يلجأُ إليها أعداءُ الإنسانيّةِ، أقلّ بكثير من ضرر الانضواءِ في قوقعةِ المواقفِ المتزمّتةِ. كما أنّ التجربة، أثبتت أنّ المواجهة من خلال صناعة محتوى مقابل، تؤتي أكلها بما يحقّق الأهداف، ويعزّز المواقف. ومن هنا، تبرز الحاجة المّاسّة إلى إبداعات خلّاقة، تمكّننا من صناعة محتوى جذّاب وسلس، بعيدًا عن التعقيد والتّكلّف والرّتابة، ليصل سريعًا إلى كلّ من نريد إيصاله إليه.
الدكتور حسين بدرالدين
29-11-2025



