أدب وفن

إبحار على متن القصيد/ قراءة د. ميشال سعادة في قصيدة الشاعر اسماعيل فقيه

لقد قرأت قصيدة(ولدت وفي فمي ملعقة علقم)
للشاعر اسماعيل فقيه فكتبت التالي:
صديقي الشاعر أسماعيل فقيه
نصك مائدة شهية
وهذي مقاربتي المتواضعة

الولادة والطفولة تُرافقان
الإنسانَ مدى الحياة ، فكيف بالأحرى إذا كان هذا الإنسان شاعرًا شفَّافًا ؟
صديقي الشاعر إسماعيل
لم يولد في فمه ملعقة ذهَبٍ ، كانت ملعقتة من علقمٍ تجرَّعها ، وكان إلى هذا ، طفلا ديناميكيًّا ، لا يهاب قفزًا من نافذة بيته القديم . كان مأخوذًا بروح المغامرة ، كأنه ، في هروبه من الأضواء ، يبحث في الظلمة عن شيءٍ ما مجهول مفقود . كره الشمس لانها كانت تقف مانعًا من تحقيق غايته . أن يبحث في العتمة لدليل على أنها تجمعه بذاته ، فيما الاضواء تبعثره ، وتشتته . وكان، بطبيعة تكوينه ، طفلا عدوانيًّا ، يحب اصطياد الطير إنتقامًا ، وليس بدافع المتعة والهواية . لكن ، لم يمضِ وقتٌ على مسيرته هذه ، فهرب مهرولا من ذاكرته إلى مدينة زجاجية ، موطئِ أحلامه . عندها توقفت طفولته ، لكنه ارتدى شخصيةً أُخرى ، فكان له حالة مغايرة ، هي حالة النرجسي المغرور إلى أبعد حد . لكن ، ها هو ، كلما وقف إلى المرآة راح يجهش بالبكاء ، يستذكر والده الذي حلت به نكبة الدهر ، فبات كسيحًا . أما صديقي الشاعر ، فهو كسيحٌ من نوع آخر ، كسيح الشباب في العقد السادس من عمره . يقف وراء روحه ، يتقدّمُ قامتَه ،
يقود غابته وجنونه
يرتل راحة
نفسه …

إن ما يشي به النص ، هو انه مقطع من سيرة ذاتية ، أضفى السرد عليها طابعًا جماليًّا . وزاد هذي السيرة جمالًا ما فيها من لُمعٍ شعرية . وأجمل الأجمل هذه المطابقة بين الخارج الهارب منه ، وبين الذات اللاجئ إليها . وكان من الطبيعي ان يُمسرح صديقي إسماعيل كتابته هذه . أما ما جعلني أحب هذا النص فهو لجوء الشاعر الى المطابقة أيضا بين العتمة والضوء . حسنًا فعل ، لان هذين الأسود والضوء ، هما أس الإبداع ، إن في الكتابة أو في الفن التشكيلي .
صديقي إسمعيل ،
هذا النص على ما هو عليه من إيجاز ، حملني الى العابك المجازية ، وإذا به يعيدني الى طفولتي .
فيا صديقي
انه لمن واجبنا ان نمجد إثنتين طفولتنا وذاكرتنا ، فالذاكرة خزانة ثقافتنا ، والتي لا بد من العودة إليها ، نحمل القلم والورقة، والطفولة هي منبع حياتنا .
صديقي إن إنسانًا بلا ذاكرة ،
هو إنسان بجسد دون روح .
رجائي إليك المزيد من هذا النسق الكتابي ، وإني انتظر ديوانك الشعري بكثير من الفرح وفارغ الصبر .

د. ميشـال سعــادة
(((9/1/2026)))

الشاعر تسماعيل فقيه


قصيدة للشاعر اسماعيل فقيه (ولدتُ وفي فمي ملعقة علقم)
منذ طفولتي وأنا على أهبة الاستعداد
للقفز من نافذة بيتنا القديم
من أجل الحصول على بارقة أمل
أو الاختباء في مكان مظلم لساعات
في محاولة فاشلة للهروب من أضواء النهار الكاشفة
كرهتُ الشمس لأنها لا تسمح لي بالعتمة
عاديت الطبيعة والشجر والأنوار
امتهنتُ صيد الطيور بدافع الانتقام
لا بدافع المتعة والهواية
وحينما كبرت ندمت على ما فعلته بنفسي
هرولتُ بعيداً عن مسقط رأسي
خرجتُ عن طاعة ذاكرتي
حتى وصلت الى مدينة زجاجية كنت أحلم بها
تعلّمتُ رسم نافذة بيتنا
وتيقنت أنني طفل الخسارة الكبرى
ولدتُ وفي فمي ملعقة علقم
توقفت طفولتي في مهدها
لا تنمو لا تفرِّخ لا ترتفع
بكاء قلبي يعلو الآن أكثر
نظراتي تجرح بدني
لا تخرج الى أبعد
أوقاتي واحدة لا تتوحد
أتحدّث الى مرآتي وغروري على أشده (كنرسيس وأعظم)
يمرّ الآن شريط حياتي مثل خبر عاجل
ينقر ذاكرتي ويطليها بالدموع
ولأني كنت أجهل مأساة أبي
الذي تعرّض لنكبة الدّهر
وأردته كسيحاً في عزِّ شبابه
وصلتُ العقد السادس
ما زلت أقف وراء روحي
أتقدّمُ قامتي
أقود غابتي وجنوني
نرتل راحة
نفسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى