منتديات

حين تغيب القيم… تتداعى الأوطان

حين تغيب القيم… تتداعى الأوطان
بقلم: المحامي عمر زين*‏


ليست الأمم بما تملكه من أبراج شاهقة، ولا بما تحوزه من ثروات وأموال، بل بما ‏تختزنه في ضميرها الجمعي من قيم ومبادئ تحفظ إنسانيتها وتصون كرامتها. فالأمانة، ‏والحياء، والوفاء، والكرامة، والضمير، والصدق، والعدالة، والمساواة، والحرية، ليست كلمات ‏تُقال في الخطب والشعارات، بل أعمدة تقوم عليها حياة الشعوب واستقرار الدول‎.‎

وحين تكون هذه القيم حاضرة في الأمة، تنشأ الثقة بين الحاكم والمحكوم، ويشعر ‏المواطن أن له مكانة وحقوقاً وواجبات، فينتمي إلى وطنه بإخلاص، ويصبح البناء المادي ‏والمعنوي للدولة متكاملاً ومتوازناً. أما إذا غابت هذه القيم أو ضعفت، فإن المجتمع يدخل ‏في دوامة من القلق والانقسام والتفكك، مهما بلغت قوة اقتصاده أو مظاهر عمرانه‎.‎

لقد أثبت التاريخ أن الكذب المنظم، مهما بدا ناجحاً في المراحل الأولى، لا يمكن ‏أن يبني وطناً مستقراً. فالكذب حين يتحول إلى سياسة، والنفاق حين يصبح وسيلة للترقي ‏والمصالح، يفقد الناس ثقتهم بكل شيء: بالقانون، بالمؤسسات، وببعضهم البعض. ‏وعندما يعيش المواطن في حالة ترقب دائم، خائفاً من الغد، متشككاً في كل قرار وكل ‏وعد، فإن الدولة تدخل مرحلة خطيرة من التآكل الداخلي، لأن الخوف يقتل روح المبادرة، ‏والشك يهدم الانتماء‎.‎

إن أخطر ما يصيب المجتمعات هو أن تصبح المفارقات داخلها أمراً مألوفاً إلى ‏حدود اللامعقول؛ فقير بجانب ثراء فاحش، وظالم يتسلط على المظلوم باسم القانون، ‏وكفاءة مهمشة يقابلها فساد محمي، وحرية تُرفع شعاراً بينما تُقيد في الواقع. عندها يفقد ‏المجتمع توازنه الأخلاقي، وتبدأ القيم بالانهيار تدريجياً، حتى يصبح الباطل عادياً، والحق ‏غريباً‎.‎
ولا يمكن لأي دولة أن تقوم على البناء المادي وحده. فالطرقات والجسور ‏والمشاريع لا تكفي إذا انهار البناء المعنوي القائم على الأخلاق والعدالة والضمير. كما أن ‏الخطابات والمبادئ وحدها لا تكفي إذا غابت التنمية والقدرة على تأمين حياة كريمة ‏للناس. إن الدولة الحقيقية هي التي توازن بين البنيان المادي والبنيان المعنوي، لأن ‏أحدهما دون الآخر يخلق مجتمعاً مشوهاً: إما غنياً بلا روح، أو مثالياً بلا قدرة على ‏الاستمرار‎.‎

وإذا استشرى ظلم العباد للعباد، واستُبيحت حقوق الناس، وتحولت العدالة إلى ‏انتقائية، فإنه يستحيل صلاح الأحوال. فالظلم لا يبني دولة، بل يؤسس لانفجارها ولو بعد ‏حين. وما من أمة سقطت إلا بعد أن فقدت ميزان العدالة فيها، لأن الإنسان قد يصبر ‏على الفقر، لكنه لا يصبر طويلاً على الإهانة وغياب الكرامة‎.‎

إن الحرية الحقيقية لا تعني الفوضى، والمساواة لا تعني إلغاء الكفاءات، والعدالة ‏لا تتحقق بالشعارات، بل بإرادة صادقة تحترم الإنسان وتعتبره أساس الدولة وغايتها. ‏فالأمم التي تحفظ كرامة الإنسان، وتصون ضميره، وتربي أبناءها على الصدق والوفاء ‏والأمانة، هي الأمم القادرة على مواجهة الأزمات وصناعة المستقبل‎.‎

وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن لوطن أن ينهض إذا انهارت القيم فيه؟‎
الجواب واضح في تجارب الشعوب كلها: قد تعيش الدول سنوات بالقوة أو بالخداع، لكنها ‏لا تستمر إلا بالأخلاق والعدالة والحرية‎.‎

‏*الأمين العام السابق لاتحاد المحامين العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى