الحداثة وأزمة المعنى

الحداثة وأزمة المعنى
كه يلان محمد*
قد يكون المعنى على غرار السعادة ينفلت من التحديد عندما تريدُ تعريفهُ أو مُعاينته في صيغة السؤال.يرى فرويد بأنَّ في اللحظة التي يسألُ فيها المرءُ عن معنى الحياة وقيمتها يكونُ على حافةِ الانهيار النفسي.بقطع النظر عن مدى صحة هذا الربط بين المرض النفسي والبحث عن المعنى. فإنَّ الانهمام على المستوى الفكرى بموضوع المعنى أمرُ جديد.صحيح أنَّ كثيراً من الهموم التي تؤرقُ الإنسان المُعاصر بدءاً بصراعه مع الزمن وليس نهاية بتذمره من الملل والوحدة هي جزءُ من وقائع الحياة في كل العصور،ولم يكنْ ذلك بعيداً عن مرمى التناول الفلسفي لكن الحديث عن المعنى ومايدورُ ضمنه من جدوى الحياة وغايتها بدأَ بالتسرب إلى الرأس في الأزمنة الحديثة. وقد لاتجد في مساعي فلاسفة التنوير مايوحي بأنَّ المعنى كان ضمن موجهات تفكيرهم يقولُ باسكال شابو بأنَّ الرجل الشريف في القرن السابع عشر لم يناقش سؤال معنى الحياة وغاب هذا السؤال لدى رينيه ديكارت ولم يحفل به سبينوزا ولاتصادف لديهما ذلك الضجر النفسي الذي يعبرُ عن التيه والضياع. باستثناء باسكال الذي سبق عصره وهو كان يعبرُ عن القلق باستمرار لم يذوق غيره من الفلاسفة مرارة البحث عن المعنى.يذكر أنَّ الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال يُعد رائداً للفلسفة الوجودية. ومن جانبه يؤكدُ كيران سيتيا في كتابه “الحياة صعبة” بأنَّ موضوع المعنى لم يظهر في كتابات أفلاطون ولايلوحُ في أبحاث أرسطو ولاتطرق إليه الرواقيون في شذراتهم الحكمية بل ما وسع إليه أفق تفكيرهم هو معنى العيش الهنيء والجودة أما معنى الحياة لم يكن ضمن محاور الجدل الفلسفي، ويبدو أنَّ ما انهمكَ عليه الفلاسفةُ هو صياغة التفسير البديل للعالم بموازاة ماورد في الروايات الدينية والأسطورية لاشك أنَّ ما أرادوا تقديمه في هذا المجال لم يتطابق مع ماذهبت إليه النصوص الدينية بشأن بداية الخلق والعلاقة بين الإنسان والطبيعة لكن لم ينقطع أحفاد أرسطو الحبل السري مع مفهوم العلة الغائية وذلك ما أجلَّ سؤال المعنى في البرنامج الفلسفي حسب رأي المفكر المغربي سعيد ناشيد.
خيبة العالم
تأجيج الظمأ الميتافيزيقي وماتبعه من انطلاق الرحلة الفلسفية سعياً وراء المعنى قد تزامن مع الانقلاب في المفاهيم العلمية وتغييرالرؤية إلى العالم.يقولُ الكاتب الأمريكي “كيران سيتيا” أنَّ عبارة “معنى الحياة” ظهرت في سنة 1834 على لسان فيلسوف تخييلي وهو ديوجانس تيوفلسدروخ.ومن المعلوم أنَّ القرن التاسع عشر كان يفور بالفتوحات العلمية والثورات الفلسفية،فإنَّ الزلزال الناجم عن نشر بعض المؤلفات في هذا القرن لاتزال اراتدادته محسوسةً في الآلفية الثالثة.فقد أعلن داروين بأنَّ الإنسان لم يعدْ إلا كائناً منسوباً إلى السلالة الطبيعية ولايحقُ له الانتساب إلى أصل مُختلف.وفي هذا العصر كان العالم الفرنسي لابلاس قد كملَ فرضية “كانط” المشهورة حول تطور النظام الشمسي وعندما سأل نابليون مواطنه عن موقع “إله” في النظام المُكتشف أجاب لابلاس قائلاً “سيدي لستُ بحاجة إلى هذه الفرضية” مايعني أنَّ العلمَ هو ما ينفردُ بإدارة دفة الواقع الإنساني والإبحار في الكون الواعد بالمزيد من الاكتشافات أما الدين حسب مايؤميءُ إليه لابلاس لم يعد سوى نظرية يمكن الاستغناء عنها. وبالتالي أنَّ الدين أصبح مكانه الذاكرة.صحيح أنَّ الغرب كما يقولُ المفكر الجزائري محمد أركون هو النموذج الوحيد الذي تمكن من الانفصال عن المرحلة الدينية كرؤيا للعالم أو كأيدولوجيا للوجود بدءاً من القرن التاسع عشر بخلاف المُجتمعات التي لم تختبر القطيعة مع المتخيل الديني ومعايشة اللحظة العلمية لكن الأزمة الناشبة من تهميش الروحاني قد طالت العالم بأسره لأنَّ وحده الغرب يصدرُ القيم للمجتعات البشرية ولايوجدُ من ينافسه على هذا الصعيد.وتلك حقيقة يعترفُ بها خصومه قبل أصدقائه.لذلك لم يقلْ ماكس فيبر “خيبة الغرب” بعد أن لاحظ أفول المقدس اللاهوتي بل أشار إلى الشرخ القائم في الحياة المعاصرة نتيجة غياب الغطاء الروحاني ب”خيبة العالم” وحين يصفُ هيدغر تخبط الإنسان بأنَّه كائنُ مُلقى به في العالم دون سبب وأُعِدَ للموت تتفاعلُ نفسية المتابع أياً كان انتماؤه الديني أو الحضاري مع كلمة مؤلف “الكينونة والزمان”.لايضمرُ مما ورد آنفاً من الآراء أية رغبة لإلقاء مايعيشه الإنسان من أزمة المعنى على عاتق الخطاب العلمي.بل كل مايرمي إليه القولُ في هذا السياق هو الإبانة عن موجة السوداوية التي توسعت حلقاتها بعد الحروب التي اندلعت في الجغرافيات الحاضنة لخطاب التنوير والحراك العلمي كيف يُفهمُ كلامُ سارتر وهو يقول بأنَّه من العبث أن نعيشَ ومن العبث أن نموت معلناً بأنَّ الإنسان ليس إلا عاطفةً لانفعَ فيها.أين مصدرُ هذا التشاؤم والشعور بأن الحياة عبء لدى معظم الفلاسفة الوجوديين؟! حتى ألبير كامو الذي أراد أن يكون عبثه مرحاً لم يتمكن من تجاهل التناقضات التي قضت مضجعه ورأى الهروب محالا من الفزع الذي ينقضُ على الشعور عندما يتأكد الإنسان بأنَّه وحيد ولاشيء يدعمه في الطبيعة.ومن الملاحظ أنَّ إشكالية المعنى قد ازدادت حدة بعد سقوط الآيدولوجيات الخلاصية.إذ لم يعد هناك كيانات فكرية مُقنعة على منوال ماساد في القرن العشرين فكانت الأسماء الفكرية والأدبية وجدت في الانضواء إلى مظلة التيارات اليسارية بديلاً للعبثية.ومايقولُه بول إيلوار يجسدُ هذه الحالة “لولا الحزبُ لفتحتُ صنبور الغاز” إذا اعتبرنا آراء الفلاسفة تواقيع تشهدُ على طبيعة العصر ألا يؤكدُ مانشره جلُّ من عاصرَ لحظات فارقة في التاريخ الحديث صحة كلام ماكس شيلر الذي لاحظ بأنَّ الإشكالية هي الملمح الأبرز للإنسان المُعاصر.
مابعد الواقع
لايلبي الواقع تطلعات الإنسان ولايسع لزخم طموحه لذلك فإنَّه لايريدُ التقيد بالإكراهات والإطار المرجعي والأنساق السائدة إنما يثورُ على جميع هذه المُحددات. ومن الواضح إنَّ إنشاء العالم الشبكي قد وفر مجالا لقيام كيانات لايمتثل فيها الفرد سوى للإشعارات التي غدت مؤشراً لزمنه الإفتراضي وبذلك يقيمُ في فضاء مابعد الواقع.فكل النشاطات الإنسانية إذا لم تجدْ طريقها نحو الواقع الافتراضي تخسر قيمتها لذلك هيمنت المعطيات الرقمية على ذهن المتابعين لحد يبدو فيه أنَّ ماهو افترضي أصبح واقعياً كما أنَّ الواقع صار باهتاً وشبحياً وبالتالي أنَّ الفردَ يستمدَ مقوماته الثقافية والمواد المكونة لنمط التفكير والآليات المُحركة للرغبة ممايشاهدُ ويتابعُ ويأخذ بانتباهه في الوسائط الرقمية.ولايكون ذلك دون تبعاتٍ على المستوى النفسي والإدراكي إذ تغزو المعلوماتُ الذهن لكن تنقصُ المعرفة النوعية ،وتجرف الصورُ والمقاطع التصويرية بالكفاءة الإدراكية إلى أنْ حلتْ هذه البدائل مكان المُتخيل لدى الإنسان.ومايفتقدُ فاعليته في هذا السياق السائل هو عنصر اللامتوقع.فالحراكات والثورات الاجتماعية لم تعدْ كما تخيلها ماركس بأنها مثل الخلد العجوز الذي يعرف كيف يعملُ جيدا تحت الأرض ليظهرَ على حين غرةٍ.لأنَّ مايقومُ به الإنسانُ ومايراوده في خلواته الافتراضية صار مشهوداً ومرئياً وبالتاكيد أنَّ الاستنزاف الزمني في هذا المحيط والمديونية لوقائعه يلغيان الخصوصية مثلما أشار جان كلود أيرسون إلى أنَّ المقصودُ بالحياة الخاصة ليس مايخفى بل هي الفضاء غير العمومي الذي يحتاجُ إليه الإنسان لحماية حيويته الاجتماعية.يُفهمُ فحوى هذا الكلام أكثر على ضوء مايختبره الجميعُ من البرودة على صعيد التواصل بين المكونات المجتمعية في الواقع.ومن أعراض الانفجار المعلوماتي وزمن مابعد الواقعي انشطارُ في الانتباه.تعتقدُ الكاتبة الأمريكية تاليا بولوك أنَّ الفلاسفة منذ العهد الإغريقي كانوا منشغلي البال في مايتصل بالميل البشري إلى مايشتتُ الانتباه موضحةً بأنَّ مصدر قلقهم ليس إلا حقيقة أنَّ انتباهنا أو ما يجذب انتباهنا هو مايحددُ واقعنا.وقد رأى رينيه ديكارت في الانتباه نوعاً من عصا الاستكشاف الفكرية والإنسان في جوهره بنظر الكاتب الأمريكي “إيريك وينر” ليس إلا مايختارُ أن يصبَ عليه انتباهه.وهو يفردُ فصلاً من كتابه “قطار سقراط” للرحلة ذهنية مع الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل التى حددت مصدر الأخطاء في تشبث العقل بفكرة ما على عجل وإذ يسد طريقه قبل الأوان فإنَّه لايعودُ مرناً في التواصل مع الحقائق.كأنَّ بهذا الرأي قد استشرفت فايل طبيعة الكائن في البيئة الافتراضية واقتناعه التام بما يراه ويسمعه رقمياً والأدهى من ذلك هو مايعانيه المقيمُ في العالم الرقمي من الإرهاق النفسي الناجم من وفرة على منصاته واكتظاظ في محتوياته التجارية والفكرية والرياضية والفنية إذ يدرك المتابع وجود فجوة بين مايحبُ أن يفعله وما بإمكانه أن يفعله منطقياً الأمر الذي يعيدُ الذهن إلى أسئلة كانط الشهيرة.ما ذا يمكنني أن أعرفه؟ وما ذا ينبغي أن أعمل ؟ وما هو المسموح أن آمل فيه؟ يتقاطع رأيُ السوسيولوجي جاك إيليل مع الصيغة الكانطية إذ يلفت النظر إلى أن تثبيت الحدود هوما يشكل المجتمع والثقافة.إذن فإنَّ الإيهام بنهاية الحدود يعمق الشعور بالخواء ويؤدي إلى التصفير في رصيد النشاطات الفعلية.
رهانات المعنى
قد تمنى الفيلسوف الفرنسي إدغار موران أن يجدَ معنى للحياة لكن صرحَ بأنَّه لو وجد معنى فهو ليس بالمعنى الذي نفهم به الكلمة فبرأيه أن المعنى الوحيد للحياة يكمنُ في غايتها .أن يعيشَ الإنسان من أجل العيش وهى غاية عالقة على مروحة من التأويلات اللامتناهية.غير أنَّ المعنى في منهج دعاة التفاؤل وقفُ على الاقتداء بالأسماء التي ترمزُ إلى النجاح والتنكر للطبيعة البشرية التي تتأرجح بين المشاعر المتناقضة من الهدوء والانفعال والغضب والحزن والانشراح ومن نافلة القول بأنَّ المنصات الرقمية قد أتاحت فرصةً لخطابات تدعو إلى التنمية الذاتية والوصول إلى مستوى ماينتظره منك المحيط الاجتماعي من التفوق والاستقامة النفسية والبنيوية وهذه الظاهرة قد كشفت حسب ما تلاحظُ تاليا بولوك استعداد الإنسان لتبعية الزعيم وتطلعه إلى أن يكون زعيماً يواليه الآخرون في آن واحد.عليه أنَّ تصاعدَ النبرة الوعظية في جميع الخطابات بما فيها الفكرية والفلسفية في المواقع الافتراضية قد سحبت الطاقة الدينامية مما ينشر ويتداول.ولا استغراب من التبذير الكلامي في الفضائيات والمنصات الرقمية مقابل الركود على الصعيد الواقعي.ومايشكو منه الإنسانُ المعاصر هو غياب الزمن الشخصي وعدم القدرة على إدارة الوقت ويقودُ ذلك إلى فشل التحكم بالذات.مايمكنُ قوله بالأخير أنَّ انتقال المجتمعات البشرية من مرحلة إلى أخرى لايكون متوجاً بالنجاح والحياة المثالية على الأصعدة كافةً بل إنَّ ذلك يكلفُ كثيراً مما كان يوحى بالمعنى فمن الطبيعي والحال هذه أن تقويض التابوهات والحدود ونسيان الواقع ذلك كله يفتحُ ثغرة في المعنى .




