عن الأسلوب والطريقة

عن الأسلوب والطريقة
يُعرَفُ الإنسانُ من أسلوبه وطريقتِه!
فكيف بالحريّ إذا كان هذا الإنسانُ أديبًا أو موسيقيًّا أو فنّانًا أو شيخَ طريقة؟
فيَكفي، مثلًا، أن تستمعَ إلى موسيقى تجري كالنهر، لتعرفَ أنّ المُلحِّنَ هو زكي ناصيف. أو أن تقرأَ قطعةً أدبيّة، يتنافسُ فيها الأدبُ مع السخرية، لتعرفَ أنّ الكاتبَ هو سعيد تقي الدين.
ويقولُ بعضُ الخبراء إنّ التمييزَ بين ألحان عاصي ومنصور ليس متعذّرًا لمن يُجيد الاستماع، فيُدرك بوضوح أنّ هذه الألحان العظيمة، لم يكتبْها شخصٌ واحد بل شخصان.
وكان عمّي المرحوم ميشال أبوجوده، يتباهى بجُمَلِه القصيرة على طريقة الصحافةِ الإنكليزيّة، ويُكثرُ منَ استعمالِ النّقاطِ والفواصل، فلا تمتدُّ الفكرةُ من سطر إلى سطر من دون توقّف.
وكان الأسلوبُ المصريُّ في الصحافة في ذلك الحين يرتكزُ على المطوّلات.
وقد درجَتِ العادةُ في فترة الستّينيّاتِ والسبعينيّات في جريدة «النهار»، على نشرِ مقالٍ في إحدى الزوايا، من دون توقيع، يتناوب على كتابته غسّان تويني، ولويس الحاج، وميشال أبوجوده.
وكان لا يُخفى على القارئ اللّبيب، في كلّ مرّة، من هو كاتبُ الفقرة من بين هؤلاء الثلاثة الكبار.
ويُقال إنّ أهمّيّةَ الشاعرِ سعيد عقل، تكمنُ في أنّ فكرتَه تكتملُ في البيت الواحد من شطرٍ إلى شطر، فلا ينتهي البيتُ إلّا وتنتهي الصورةُ والفكرةُ معًا:
«فَرِحوا، فلألأَ تحتَ كلِّ سمًا
بيتٌ على بيتِ الهدى زيدا». (انتهت الفكرة)
أمّا الشاعر موريس عوّاد، فكان ينقلُ فكرتَه من سطرٍ إلى سطر، فيُكملُ في البيت التالي ما بدأَه في البيت الأوّل وتسمّى هذه الطريقة Enjambement
أو التضمين:
«تْسَلّا، وعَيِّطْلي صَبي
تْوَلْدَن، وْعِدْني بْمَرْكَبي
وسَيفْ وْتِرِس وِحْصان
وْإِغْضَبْ، أنا إِغْضَبْ
قِلَّكْ تَعا نِلْعَبْ!
يَـ بِتْوَقِّعْ لْـ حيطان
لْـ بَيْناتْنا، يَـ بفِّل
مِنْ هَلْ حِزِن، يَـ بْضَلْ».
ويُمكنُكَ أن تعرفَ الكاتبَ من اختيارِه لمواضيعِه.
فإذا قرأْتَ عنِ البحّارة، والميناء، والبؤس، والفقر، تعرفُ أنّ الكاتب هو حنّا مينه؛ وإذا قرأْتَ «خَبْرِيِّة» تنتهي بمَثَلٍ أو حكمة، تعرفُ أنّها لِشيخِ الأدبِ الشعبيّ سلام الرّاسي؛ وإذا قرأْتَ قصيدةً مكتوبةً بالأسلوبِ السّهلِ الممتنع، تتحدّثُ عن المرأة، ونهدَيْها، وتفاصيلِ جسدِها الأخرى، فستعرفُ أنّ الشاعرَ هو نزار قبّاني.
وكان هذا الأخير، بإلقائِهِ الجميل وشخصيّتِهِ الفذّة، يُضفي الكثيرَ من الجمال على كلماتِه، ممّا دفع أنسي الحاج إلى القولِ إنّ أكبرَ مصيبةٍ قد تحلُّ على الشاعر، هي أن يُلقيَ قصيدةً بعد نزار قبّاني في حفلةٍ واحدة.
ويُمكنكَ أن تعرفَ الانتماءَ الحزبيَّ لبعضِ الكُتّابِ من أسلوبهم: فتعرفُ الكاتبَ «القوميّ»، مثلًا، عن بُعْدِ «كيلومتر»، بالأخصّ حين يبدأُ باستعمالِ مصطلحاتِ زعيمِه، «كالنّهضةِ، والأمّةِ، والنّصرِ، والصّبرِ، ووقفةِ العزّ..». وغيرِها منَ التعابير. وتتأكّدُ أكثر حين تقابلُه في المآتم، حيث يستبدلُ التعابيرَ التقليديّةَ كـ«العَوَضْ بِسْلامِتْكُم» و«اللّه يِرْحَمو»، بتعبيرِ «البقاء للأمّة»؛ وحين يريدُ تهنئتَك بعيِد ميلادِكَ فيدعو لك متمنِّيًا أن «تعَيِّد بالعِزّ».
وقد يُغيّرُ الفنّانُ أسلوبَهُ في بعض الحالات ليتلاءَمَ مع المناسبة:
فالرّحبانيان، في حفلةِ الأرز، استبدلا «الحُبَّ والجمالَ والطبيعة» بـ«الغضبِ السّاطع، والقَدَمِ الهمجيّة، وجيادِ الرّهبة»؛ واستهلّا حفلتَهما بأغنية «زهرة المدائن»، التي لاقت إقبالًا كبيرًا من الجمهورِ المفجوع بعدَ نكبةِ فلسطين.
وفي الحفلة نفسها، غَيَّرَ محمّد عبد الوهاب أيضًا أسلوبه، ليقدّمَ أغنيةً فيروزيّةً قصيرة، رائعةَ العذوبة، من شعر جبران، هي «سكنَ اللّيل»، التي لم تلقَ الإقبالَ المطلوب حينَها، كونَها لم تتلاءمْ مع الشأنِ الفلسطينيّ الذي مهّدَتْ له «زهرةُ المدائن».
وقد يتأثّرُ الفنّانُ بفنّانٍ آخر، فتختلطُ الموهبتان:
وهكذا يتباهى «وليد غلميّة» أنّه هو من علّم روميو لحّود التلحين. ويعترفُ له هذا الأخيرُ بفضله، ويُضيفُ أنّه أيضًا تلميذُ «صليبا القطريب»؛ ولهذا اختلطَ أسلوبُ غلميّة ولحّود في مسرحيّة «القلعة»، وراحَ كلُّ واحدٍ منهما يدّعي أنّه هو من لحّنَ تلك أو هاتيك الأغنية، وصارَ من الصّعب التمييزُ بينَهما.
وحتّى في القصصِ المصوّرةِ والكاريكاتور، يَطغى أسلوبُ الكاتبِ على كلِّ ما عداه.
فهُواة «أستيريكس» يميّزون جيّدًا بين الحلقاتِ المكتوبةِ من «رينيه غوسّيني» والحلقاتِ المكتوبةِ من غيره.
وكذلك يُميّزُ الجمهورُ العريض بين حلقات «طوم وجيري» القديمة والحلقات الجديدة.
وأضحكَ «شارلي شابلن» الملايينَ بأسلوبِه ولباسِه وطريقةِ مَشيِه، من دون أن ينبسَ بكلمة؛ وأبهرنا جميعًا علي دياب في دور جدّ لولو في المسرحية الرحبانيّة الشهيرة، حيث سرق أنظارنا ببسمتهِ الصامتة.
وكان أسلوبُ «سعيد فريحة» ظاهرًا في رسومات «خليل الأشقر» في الصيّاد، فهو مَن ابتكرَ شخصيّةَ «أبو خليل»؛ ولم يكنْ «حميدو» سوى جورج ابراهيم الخوري متنكّرًا في «الشبكة»؛ وتسبّبَ أسلوبُ «ناجي العلي» باغتيالِه على يد الموسّاد؛ وكان بيار صادق وميشال أبوجوده يتشاركان المكتب، ويتشاركان في بعض الأحيان النكتة، واللّطشة، فيصدر الكاريكاتور في اليوم التالي وبصمةُ ميشال واضحة عليه. وكان الخبيرُ يُميّز جيّدًا بين نكاتِ بيار ونكات ميشال.
وطَبَعَت تعابيرُ زياد الرحباني وطريقتُه جيلًا بكامله، تفنّن في «شَرْشَحَةِ» الأمورِ الجدّيَّة واعتبارِ «العقل زينة».
ومن أطرفِ الأشياء، أنّه يمكنُكَ التعرّفُ إلى الأصولِ المناطقيّةِ للكاتب من خلالِ أسلوبِه ولهجتِه:
فالشاعر عصام العبد اللّه يقولُ بلغةِ أهلِ الجنوب:
«مِتْل اللّي قَرَّبْ صَوْبْها بَرْد الشِّتا،
وْبَعدا ما خُلْصِتْ كَنْزِتا».
والمعروفُ أنَّ أهلَ الجبلِ يقولون «الشِّتي»، على الطريقة السّريانيّة، وليس «الشِّتا».
وكذلك فَعَلَ الشاعر أسعد سابا حين قال في أغنية «اللّه مَعَكْ يا بَيْتْ صامِدْ بالجنوب»:
«بْنَوْبْ ما مِنْدَشّرَك يا بَيْتنا».
وكلمة «بْنَوب» هي جنوبيّة أصليّة.
أما إذا قال أحدُهم في «دير القلعة» مُفَخِّمًا القاف:
«وَرْقا أنا؟ مِن ضُعْفَك خْلصْنا بقا
رَحْ ذيعْ وَرْقِة نَعْوتَك عالمنطقة».
فستعرفُ فورًا أنّه الشاعر الدرزيّ الشُّوفيّ طليع حمدان، أمير المنبَرَيْن، وصقر المنايا.
أمّا إذا استعملَ تعابيرَ «الزِّرّاعِين» و«السَّجْرا» و«رايِح رايِح» في شعرِه:
«يا حَجَلْ عَـ المَيْ إنْتَ وْرايِح
زُورْ هاك الحَيّ رايِح رايِح»…
فعليك أن تعرفَ أنّ الكاتبَ عاشَ على ضفّتَيْ الساقيةِ الممتدّة من فوّار أنطلياس إلى نهر الموت، على طولِ ساحلِ المتن.
وحين كنّا نسألُ جدّتي أم داود «وَيْن كانْ بَيْتُن أَهْلِك؟» كانت تقول لنا: «هَوْنيك آخِر الزّلقا، بَعْد الصنوبرات رايِح رايِح»…





