قصةقصيرة/ رائحة بيت

في بيت صغير تعلوه شرفة ضيقة تفوح منها رائحة الورد عاش «نور» و«زينة» عامهما الأوّل يسرقان الزّمن من يد العالم، بعد أن تزوّجا في صيف هادئ، قبل أن يتحوّل بلدهما إلى خرائط دخان وأخبار عاجلة.
كان «نور» قد تخرّج من كليّة الهندسة، أمّا «زينة»، فتخصّصت تكنولوجيا علوم وغذاء، وتعوّدا أن يسمعا عبارة «المستقبل أمامكما، الوظيفة المضمونة أهمّ من الأحلام الصّغيرة»، ومع ذلك فلم يشعرا بالحزن لعدم تمكنهما من الحصول على عمل، وظلّا يحلمان بمشروع يستطيعان أن يؤمّنا عيشهما في عالم لم يستفد من طاقتهما العلميّة ومن شهادتيهما.
وفي ليلة شتويّة انقطعت فيها الكهرباء، أشعلت «زينة» شمعة برائحة عطر زهر الكرز، فامتلأت الغرفة بضوء خافت، فقال «نور»: «شمعة واحدة جعلت البيت أهدأ من كل شيء»، فضحكت «زينة» قائلة: «لأنّ الضّوء الذي نصنعه بأيدينا مختلف». وفي تلك الليلة كانت البداية.
أخذا يصنعان الشّموع الملوّنة، والعطور والهدايا الصّغيرة للأطفال والعشّاق. وأطلقا على مشروعهما الصّغير «رائحة بيت»، وكانت «زينة» تردّد دائمًا: «النّاس تحتاج إلى ما يذكّرها بأنّ الحياة ليست كلّها حربًا». وعندما يُقال له كيف تترك الهندسة يجيب: «الهندسة علّمتني كيف أبني الأشياء، وأنا هنا أبني شيئًا يشبهني»، أمّا «زينة»، فتقول: «نحن لا نبيع شموعًا وعطورًا، نحن نصنع لحظات».
كبر مشروعهما، وكان الأطفال يفرحون عندما يشاهدون «نور» يسكب الشّمع السّاخن في القوالب، وكانت «زينة» تكتب أسماءهم بخطّها الجميل على العلب، وأصبح بيتهم يشبه قطعة سكر وسط مدينة.
وجاءت حرب العام 2024 فنهضا على قصف يطال المكان، وتكسّر الزّجاج من حولهما، فاحتضنت «زينة» صندوق العطور، وأسرع «نور» يطفئ النّار التي اشتعلت قرب البيت، ليستطيعا الخروج، ولم يبق من منزلهما سوى جدار نصف محترق ورائحة شمعٍ مذابٍ، تختلطُ بالغبار.
وانتقلا إلى بيت أهلها، فأعادا ترتيب الحياة من جديد، وعاد المشروع إلى العمل، وبدأ الشّمع يذوب من جديد. ومع محاولات الجميع في حثّهما على البحث عن عمل مستقر ثابت، وعن حياة أخرى، كانا يشعران بأنّ المشروع لم يعد مجرّد مصدر رزق، لقد صار ذاكرتهما المشتركة، وطريقتهما في مقاومة الخراب.
وفي ليلة رمضانيّة من شهر آذار في العام 2026 عادت الحرب من جديد، وكان وقعها أقوى على ضيعتهما، والغارات تشتدّ، والأصوات تدعوهما إلى المغادرة وأن ينجوا بروحيهما، فأصرّا على البقاء والصّمود، فالرّحيل كان يعني الابتعاد عن حلمهما الصّغير، والبقاء دليل عزيمة وصمود ومواجهة، وعندما يشتدّ القصف ينشغل «نور» بصنع الشّموع بدلًا من النّوم، أمّا «زينة»، فكانت تحضّر علب هدايا للنّازحين، وتحرص على وضع رسومات ملوّنة فوقها رغم ازدياد أصوات الغارات.
وفي ليلة أليمة بينما كانت أصوات الطّائرات تقترب، انشغلا بتجهيز طلبيّة لم تُسلّم أبدًا، كانت «زينة» تكتب أسماء أطفال الحيّ على هدايا صغيرة، وكان «نور» يخلط آخر زجاجة عطر صنعها بيديه. فهمس في أذنها: «هل ندمت يومًا على اختيارنا هذا الطّريق؟». ابتسمت وأجابت: «لو عاد العمر لاخترتك، واخترت الضّوء نفسه، حتّى لو انتهى بنا الأمر وسط الحرب».
وفي ظهر يوم من أيام الحرب المريرة، سقط الصّاروخ على المكان كلّه، واختفى الصّوت والضّوء دفعة واحدة. لكنّ رائحة العطر بقيت عالقة في المكان أيامًا طويلة، ومن بين الرّكام وجد الدّفاع المدنيّ صندوقًا معدنيًّا بقي مغلقًا، وفي داخله شموع بيضاء لم تذب، وزجاجة عطر سليمة، وورقة بخطّ أنثويّ جميل، فيها عبارة: «إذا وصلت هذه الهدايا إلى أحد، أخبروه أنّ الحرب مرّت من هنا… لكنّ الحبّ مرّ أيضاً».
د. درية فرحات أستاذة أكاديمية وقاصة وناقدة
( قصّة مهداة إلى روح الشّهيدين العروسين محمد جمول وسكينة مكي رحمهما الله.)




