أدب وفن

جائزة “شِعر”: من فاز بها؟ ولماذا توقفت؟

سليمان بختي*

عندما أسس الشاعر السوري اللبناني يوسف الخال مجلته “شعر”، سعى على خط مواز إلى انشاء شبكة من الوسائل يمكن اعتبارها بمثابة مؤسسة ثقافية متكاملة. كل ذلك لأجل ضمان مشروع الحداثة ونجاحه. وتتلخص هذه الوسائل في المنابر الأدبية والأجهزة الإعلامية والفنية والنشاطات الثقافية المتنوعة. فبالإضافة إلى مجلة “شعر” التي صدر العدد الأول منها في كانون الثاني 1957. وكان هناك “خميس مجلة شعر” وهو ندوة الخميس الاسبوعية ولكونها “المحترف والمرصد والمختبر لعرض المفاهيم الشعرية ووضعها موضع التطبيق” بحسب مؤرخ مجلة شعر جاك اماتاييس في كتابه “يوسف الخال ومجلته شعر”. وكان الخال يردّد دائماً “الخميس هو الشعر لا الشعراء”. وأصدر الخال أيضا مجلة “أدب” وصدر عددها الاول في 19 شباط 1962 وكان شعارها أدب مجلة الأدب والفكر والفن في العالم العربي. وقال عنها المؤرخ ألبرت حوراني بأنها “ثروة من المعرفة تساعد على إيجاد مستوى نقدي رفيع”. 

صدرت المجلة لسنتين ثم توقفت مع صدور عددها الثامن في خريف 1963. فضلاً عن مجلتي” شعر” و”أدب” أسس الخال مع شقيقه رفيق” دار مجلة شعر” التي نشرت لأسرة المجلة وغيرهم من الشباب الموهوبين والمتحلقين حول المجلة مثل سعدي يوسف وزكريا تامر وغيرهم . وفي عام 1963 أسس غاليري وان في لقاء بين الحركة الأدبية والحركة الفنية التشكيلية. وفي هذا السياق ولدت “جائزة مجلة شعر”. ففي العدد العاشر ربيع 1959 نزل الإعلان عن الجائزة بأنها تعطى سنوياً لأحسن مجموعة شعرية أو مسرحية أو ملحمة شعرية ووفقاً للشروط التالية: “أولا، أن تقدّم المخطوطة إلى مجلة “شعر” في أول تشرين الثاني من كل عام. ثانياً، أن لا تكون المخطوطة قد نشرت قبلاً، ما خلا بعض مقاطع أو اقسام منها في المجلات أو الصحف. ثالثاً، أن تكون المخطوطة موضوعة لا مترجمة، وأن لا يقل عدد صفحاتها المطبوعة عن مئة صفحة من الحجم المتوسط. رابعاً، أن لا تكون المخطوطة باسم مستعار وأن تكتب على الآلة الكاتبة أو بخط واضح. ويذكر الإعلان أن الترشيح مفتوح لجميع الشعراء في العالم العربي للجائزة التي تمنح للمرة الاولى تشجيعاً لإنتاج الشعري ورفعاً لمستواه. أما قيمة الجائزة فهي ألف ليرة لبنانية. وأن هناك لجنة من الشعراء والنقاد العرب ويعلن عنهم في حينه. من هم الفائزون؟ 

بحسب الترتيب ففي دورتها الاولى عام 1960 فاز بالجائزة الشاعر العراقي بدر شاكر السياب عن مجموعته “أنشودة المطر”. وفي دورتها الثانية عام 1961 فاز الشاعر أدونيس عن كتابه “أغاني مهيار الدمشقي”. وفي دورتها الثالثة عام 1962 فاز الشاعر شوقي ابي شقرا عن مجموعته “ماء إلى حصان العائلة”. والشعراء الثلاثة الذين فازوا بالجائزة أصبحوا من أعلام الشعر الحديث ومن أهم العلامات على مرحلة تأسيس الحداثة الشعرية العربية. ولكن من هي اللجنة التي منحت الجائزة لبدر شاكر السياب؟ وماذا كتبت في براءة الجائزة؟ تألفت اللجنة من يوسف الخال وتوفيق صايغ وأنسي الحاج. وجاء في البيان: “رأت اللجنة أن هذه المجموعة (أنشودة المطر) تمثل انجازاً فنياً متميزاً في مجال الشعر الحر، وتجسّد قدرة الشاعر على تطويع اللغة العربية لموسيقى جديدة من دون أن تنفصل عن جذورها التراثية”. وفي خريف 1961 قالت اللجنة عينها عن فوز أدونيس في “أغاني مهيار الدمشقي”: “إن هذه القصيدة تشكل خطوة متقدمة في تجربة الشعر العربي الحديث، أما فيها من انفتاح على الاسطورة والرمز، ومن قدرة على تجاوز القوالب الجاهزة في الصورة واللغة”.

وفي خريف 1962 قالت اللجنة عينها مضافاً إليها أدونيس عن فوز الشاعر أبي شقرا عن مجموعته (ماء الى حصان العائلة): “إن المجموعة تمثل صوتاً متماسكا يتسم بالكثافة اللغوية والانضباط الداخلي، ويؤكد أن تجربة القصيدة الحرة في لبنان قادرة على انتاج نصوص ذات قيمة فنية عالية”.

بعد ذلك توقفت الجائزة في العام 1963. لماذا؟


تعددت الآراء. فثمة من قال إنه بسبب الصعوبات المالية التي واجهت المجلة وخصوصاً بعد منعها في بعض الدول العربية. ويروي شوقي أبي شقرا أنه لم يقبض الألف ليرة قيمة الجائزة لأن الخال أبلغه أنه سددها لإجل تكاليف إصدار عدد للمجلة كان ماثلاً للطبع. ويضيف أبي شقرا: “إنَّ العامل المادي بيننا لا مكان له على الاطلاق”. وهناك من قال إن الخلافات بين الشعراء استعرت، وأن ادونيس كان رافضاً أن تمنح الجائزة لشوقي أبي شقرا في الأساس. وأن الخلاف وصل بين يوسف الخال وأدونيس إلى درجة انسحاب أدونيس من المجلة. 

وتقول الناقدة خالدة سعيد في دراسة بعنوان “مجلة شعر: تجربة الحداثة”: “بأن الجائزة خلقت جيلاً. 

وقبلها كانوا أصواتا متفرقة وبعدها صاروا تياراً. وان الجائزة اعطتهم شرعية. وحلّت بيروت مركز ثقل الحداثة بدلاً من بغداد ودمشق. وأضافت: “فاز السياب لأنه طوع اللغة، وفاز أدونيس لأنه فجر الاسطورة، وفاز شوقي أبي شقرا لأنه صفى اللغة”.

أخيراً، كانت “جائزة مجلة شعر” في ذلك الوقت نموذجاً لجائزة أهلية مستقلة بلا دعم دولة. وهي تذكير دائم بأن الحداثة العربية قامت على أكتاف أشخاص رياديين رسوليين حداثيين عملوا معاً صادقين وبجرأة وتصميم لأجل حداثة شعرية عربية حقيقية.

*كاتب و ناقد

نقلا عن موقع المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى