أدب وفن

أرنستو ساباطو من مختبر العلم الى مختبر الروح وقلق الوجود

ترجمة سمية تكجي *

حين يتحاور العلم مع الأدب يعلو الصوت محتجا احيانا و احيانا أخرى يهدأ و يسلم جدلا ان كلا العلم و الأدب أمران لفهم الحياة. الأول يفكك المعادلات و الآخر يفكك النفس و الروح . حين نفكر للوهلة الأولى ان العلم يؤثر في الأدب و أن الأدب ايضا له تأثيره الواضح في العلم ربما نستغرب الأمر . وهنا نستذكر عبارة لآنشتاين العظيم حين قال العلم له حدود و لكن الخيال لا حدود له و يقابله في هذا الأمر خورخي واغنسبيرغ على ان الطريقة العلمية تساعدك كي تعرف انه ينقصك فكرة ما لكنه لا يجد الفكرة فيأتي الخيال كي يجدها …و هنا لا نستغرب بعض علماء النفس و العلماء حين اعترفوا انهم استلهموا افكارا من الأدباء كما اعترف آنشتاين انه تعلم الكثير من دوستويوفسكي و فرويد حين اعترف بفضل الشعراء و اعترف انه حين يصل الى اي فكرة يجد أن شاعرا قد سبقه اليها .و لعلنا اذا استعرضنا بعض الكتاب على مر العصور الذين مارسوا العلم و عاشوا الأدب سوف تقفز ذاكرتنا الى تشيخوف و أثره في الطب كما في الأدب و كيف أثرت مهنته في أدبه و جعلته على تماس مع الوجع الإنساني. و هو القائل : ” الطب هو زوجتي الشرعية و الأدب هو عشيقتي و حين أضجر من احداهما أذهب الى الأخرى “

و الأمر المدهش الذي يستحق الوقوف عنده طويلا هو ما طرحته وكالة الناسا مؤخرا حيث فتحت الباب لمرشحين من اهل الشعر كي يرافقوا رواد الفضاء في رحلاتهم و يكتبوا عنها فصائد الكون …الأدب عبر الخيال يجعل من أمر في وقته مستحيل التحقيق لكنه يجعله مادة للتفكر و الأسئلة و هذا ما يجعلنا نعود الى كتاب خوليو فرنيه” من الأرض الى القمر” عام ١٨٦٥ و كيف تلقى القراء في وعيهم و لا وعيهم هذا الكتاب ؟ و بعد ما يقارب القرن اصبح ما تخيله هذا الكاتب العظيم واقعا .و نظر اليه الجميع بعيون أخرى مختلفة …!!!

أرنستو ساباطو حالته مغايرة عن الباقين :هو من هجر العلم لمصلحة الأدب . و هجر مختبر العلم للذهاب الى مختبر الروح و الإنسان . لكن المتابعين لأعماله الأدبية لا يتوانون عن التلميح و التصريح ان الرياضيات و تأثيرها ظاهرة بوضوح في تلك الأعمال حتى ان ساباطو في عمله الأول ” هو و الكون ” كال المديح لعلم الرياضيات حيث قال :” يسود اعتقاد بأن الرياضيات هي أصعب العلوم، في حين أنها في الواقع أبسطها جميعاً. ويكمن سر هذا التناقض في حقيقة أن بساطة الرياضيات ذاتها هي التي تكشف بوضوح أي خلل في الاستدلال الرياضي؛ ففي القضايا المعقدة -كالسياسة أو الفن- تتداخل عوامل عديدة، ويكون الكثير منها مجهولاً أو غير ظاهر للعيان، مما يجعل التمييز بين الحق والباطل أمراً بالغ الصعوبة. ونتيجة لذلك، يظن أي أحمق أنه قادر على الخوض في نقاشات حول السياسة والفن -بل ويفعل ذلك بالفعل- بينما ينظر إلى الرياضيات بشيء من الهيبة والتبجيل”

ارنستو ساباطو كان عالما لامعا لكن عام ١٩٤٥ ادرك ان ما من معادلة في علم الحساب يمكنها شرح القلق او الوحدة او الخواء الوجودي .فما كان منه الا انه هجر المختبرات الفرنسية ليستكشف المكان الأشد ظلمة و تعقيدا في الكون…الا و هو الذات الانسانية ….
ساباطو قضى عقودا يحاول تفكيك الألم الإنساني، انتقل من قياس الذرات الى محاولة قياس ثقل و وزن الروح البشرية

و كذلك اعطى رأيه حول المادة و الفكر قائلا : محاولة شرح أمر متعلق بالروح و الفكر عبر علم الرياضيات و الهندسة هو اشبه بمحاولة انتزاع القلق بواسطة ملقط طبيب الأسنان …!!!


اذا قرانا عباراته حول وجودنا السريع الزوال ” هل تحس أننا حقا نفهم كيف نعيش مع مرور الوقت ام فقط و ببساطة نصبح افضل حين نرتجل و نحن نمضي قدما” عاش ساباطو من ١٩١١ و حتى ٢٠١١
طريقته المميزة في الكتابة و الشكل الذي يستعرض فيه افكاره جعل منع واحدا من ألمع كتاب عصره. من اعماله الخالدة رواية “النفق” و قد ترجمت الى العديد من اللغات و استدعت الإستحسان و الثناء من ادباء و فلاسفة الذين عاصروه و خاصة البرتو كامو و رواية ” حول الابطال و القبور” و قد كان الارجنتيني الثاني الذي حصل على جائزة سرفنتس عام ١٩٨٤

اشتهر أرنستو ساباطو بغزارة عباراته التي تدور حول كل مشاهد الوجود و حول موقفه من المفاهيم و العادات

نستعرض بعض هذه العبارات :

كي تكون متواضعا تحتاج الكثير من العظمة

دائما بي خوف من المستقبل لأن في المستقبل بين الكثير من الأشياء ، ثمة ايضا الموت


الموضة شرعية في الاشياء الصغيرة كما في الثياب مثلا لكن في الفكر و الفن تصبح بغيضة


الإعجاب يتطلب عظمة رغم ان ذلك يبدو إشكاليا

ما من مجال للنقاش ان كل جيل يرى نفسه انه مسؤول عن اعادة بناء العالم بالنسبة لي لا ارى ذلك بل ارى امرا اهم بكثير الا و هو ان لا نترك العالم يتلاشى و يهمل.

معحزة هؤلاء… !!! نعم هؤلاء الرجال الذين يقبضون على جمر مبادئهم حين لا تكفي رواتبهم ما يسد رمق عائلاتهم .و معجزة ان يبقى الحب و يبقى النهر جاريا بينما تقطع الأشجار


الكون …نراه على هذا الشكل هو كون جهنمي …فالعيش دون ان نؤمن بشيء يشبه ممارسة الجنس من دون حب

*قاصّة و شاعرة لبنانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى