أدب وفن

سمية تكجي:الرواية تسامح أكثر من القصة القصيرة

الرواية تسامح أكثر من القصة القصيرة

اعتقد ان الإنسان يكتب اول قصة قصيرة عندما يغادر
رحم امه جنينا..تلك الصرخة فيها من الدهشة و الألم و الرفض و الخوف من المجهول و الإحساس بالمكان و الزمان …ما يجسد مشهدا فريدا قبل ان يمتلك اللغة ..
قرأت مؤخرا قصة قصيرة للكاتبة الكندية الراحلة أليس مونرو “أقمار جوبيتير” و هي الحائزة على نوبل للآداب و يطلقون عليها لقب تشيخوف الكندية
قصصها من الحياة اليومية تتناول العلاقات العائلية المعقدة و الهشة و الذاكرة و العمر المتقدم و ما لفتني ان الكاتبة و في سياق حديث في إحدى المقابلات سئلت لماذا لم تكتب الرواية …فردت أنها لا تجرؤ
و لقد أخذتني من دون أن اشعر الى حوارات مشابهة لكتاب آخرين لديهم الرأي نفسه
فما هي تلك الأسباب ؟

كان و ما زال البعض الكتاب و الضليعين في عالم الأدب يخافون الأقتراب من الرواية …
و هذا الخوف له اسبابه الكامنة في صعوبة كتابة الرواية
فعالم الرواية يتنامى مع كل صفحة ليمسي عوالم و مع كل بطل من الأبطال ليكبر و ينضج و يسلك طرقا مختلفة
و مع الأضواء و الظلال و ما بينها ليصنع دهشة او سؤالا..و عن المناخ الذي يتغير دائما فعندما تحمل رواية و تبدأ بقراءتها ستمني النفس ان تتسع صفحاتها لحياة كاملة : وقتا للتأمل و آخر للضحك و آخر للتنفس و آخر للمرايا و آخر للتفكر بعبارة آسرة و أن تمشي مع خيوط الرواية كلها كانها تتعانق لتشكل للقارىء جسرا للأفكار و الأحداث لا ينقطع ..
الرواية هي ماراتون كتابي شاق و شائك يتطلب من الكاتب ان يكون ذا لياقة ذهنية و صبر و اناة و يكون مستعدا للتضحية من أجل الكتابة بوقت كبير من يومياته و منهم من يقضي الشهور و السنوات من اجل كتابة رواية ..حتى أن بعض الكتاب يقولون انهم يتعلقون بشخصيات الرواية التي كتبوها و يشعرون بألم الفراق حين ينتهون ، لأن الوقت الذي يقضيه الكاتب مع ابطاله يخلق نوعا من التعود و الإلفة و ربما صلة الرحم بينه و بينهم …على سبيل المثال كافكا الذي قال لحبيبته بما معناه : ان عليها أن لا تغار من ابطاله الذين يسكنون اعماقه …!!!
لكن و بالعودة الى الرواية و عدم الجرأة على خوض غمارها ؟
ثمة كتاب كتبوا الجنسين الأدبيين القصة القصيرة و الرواية …و اختلفت آراء النقاد و من بعض اصدقائهم في عالم الأدب الذين كان يعول على رأيهم و مقارباتهم الأدبية

و هنا يكمن السؤال : هل كتاب القصة القصيرة نجحوا ان يكونوا روائيين افضل
نعم كثير من كتاب الرواية اعترفوا بذلك
ربما لأن القصة القصيرة هي تمرين مستمر مع اللغة و تحد يجعله في صفحات قليلة مكثفا للمعنى و عارضا للصور التي تثري المعنى و مدخلا الحوارات التي تخدم السياق و هذا كله يساعد ايضا كاتب الرواية كي لا يقع في الحشو و التكرار

خورخي لويس بورخيس مجّد القصة القصيرة و قال انه لم يكتب الرواية و عرض كل اسبابه …
على سبيل المثال: كونه لا يثق انه قادر و أن القصة القصيرة هي اقدم من الرواية كما استشهد بكتاب جاءت قصصهم القصيرة اجمل و اعمق من رواياتهم كيبلنغ و جيمس جويس على سبيل المثال لا الحصر
و انا شخصيا أحب القصة القصيرة و اكتبها و لم احاول ان اكتب الرواية مع ان الرواية متسامحة اكثر من القصة القصيرة لأن الاولى تحمل كونا متعدد الفصول و في هذه الفصول ما قد يعجب القارىء و هناك ما قد لا يعجبه
أما القصة القصيرة فهي مشهد في الحياة اذا احسن الكاتب التقاطه و تطويره و ترجمته نجحت القصة…و أذا لم يحسن ذلك سقطت القصة في النسيان.

سمية تكجي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى