أدب وفن

المعلّقة/ بقلم الشاعرة د. دورين نصر

المعلّقة

المدى فوقي
ليس سماءً،
بل سؤالٌ معلَّقٌ
نسيَتِ الجهاتُ جوابَه.
أرفعُ رأسي إليه
فتتساقطُ من عينيَّ
مدنٌ مررتُ بها،
وجوهٌ أحببتُها،
وأبوابٌ طرقتُها
حتّى تعلَّمتُ
أنَّ بعضَ الأبواب
لا يُفتح،
لأنَّ وراءها
لا شيء.

المدى تحتي
يمشي معي
كظلٍّ يعرفُ عنّي
ما لا تعرفه المرايا.
أدوسُ عليه بخفَّةِ امرأةٍ
تخشى أن توقظَ
أحلامَها القديمة،
فكم من حلمٍ
نامَ في داخلي
ثم استيقظَ غريباً
لا يعرفُ اسمي.

تحتي مدى
مبلَّلٌ بملحِ الغياب،
تسبحُ فيه أصواتٌ
كانت تناديني،
وأيدٍ لوَّحتْ لي
ثم صارتْ
جزءاً من المسافة.
وفيه أناسٌ
مرّوا كالفصول؛
منهم من تركَ وردةً
ومنهم من تركَ شتاءً،
ومنهم من علَّمني
أنَّ القلبَ
حين يُحسنُ النجاة
لا يعودُ كما كان.

حولي مدى
يتبدَّلُ كلَّما بدَّلتُ نافذتي،
مرّةً
أراه طائراً
يشقُّ الهواءَ
ولا يسألُ السماءَ
إلى أين.
ومرّةً
أراه نهراً
يتعثَّرُ بالحجارة
ولا يتوقَّف.
ومرّةً
أراه امرأةً تشبهني،
ترتدي كبرياءها
كما ترتدي ملكةٌ
ثوبَها الأخير،
وتخرجُ إلى العالم
كأنَّ الخساراتِ
أوسمةٌ سرّية.

همستُ له:
لا تقتربْ كثيراً.
فأنا امرأةٌ
تربّت على ضفائرها
أصابعُ الريح،
وتعلَّمتْ باكراً
أنَّ الوعودَ
أخفُّ من غيمة،
وأنَّ الغيمةَ نفسها
قد تمرُّ
ولا تمطر.

لا تقلْ لي:
إنَّ الطريقَ طويل.
أنا ابنةُ الطرقِ
التي كانت تنتهي
فأكملتها بقلبي.
أنا التي صنعتْ
من كسرةِ الضوء
نافذة،
ومن حطامِ الأمس
لوحةً أخرى
نحو غدٍ
لم يولد بعد.

أمامي مدى
يُشبهُ حلمًا
يقفُ في آخرِ الحكاية
ولا أدري
أهو الذي انتظرته،
أم أنني كنتُ طوالَ الوقت
أنتظرُ نفسي.
أمدُّ يدي إليه
فيبتعد.
أتراجعُ
فيقترب.
فأضحكُ.
لقد تعلَّمتُ أخيراً
أنَّ الأشياءَ البعيدة
ليست دائماً أجمل،
وأنَّ القربَ
ليس دليلاً على الوصول.

ورائي مدى
مزدحمٌ بأسمائي القديمة:
طفلةٌ
كانت تصدِّقُ الحكايات،
فتاةٌ
كانت تظنُّ أنَّ الحبَّ
وطنٌ نهائي،
وامرأةٌ
عرفتْ بعد ذلك
أنَّ الأوطانَ نفسها
قد تحتاجُ
إلى من ينقذها.
وفي داخلي مدى آخر،
لا يراه أحد.
هناك
أخبِّئُ صوتي
وأزرعُ وردةً
كلَّما ماتَ معنى،
وأتركُ مقعداً فارغاً
لمن سيجيء
من دون أن أكتبَ اسمَه.
في داخلي
بحرٌ صغيرٌ
يرفضُ أن يكونَ مرآة،
وشجرةٌ
لا يعرفُ الشتاءُ
كيف يقنعُها بالسقوط…

أبحثُ عن مدى
لا يخافُ من امرأةٍ
تعرفُ لغتَها،
ولا من امرأةٍ
إذا انكسرَ الضوءُ أمامَها
جمعتْ شظاياه
وصنعتْ منها شمساً.
أبحثُ عن مدى
يغسلُ وجهَ التاريخ
من غبارِ الذين
كتبوا الهزيمةَ قدراً.
مدى
يعلِّمُ المدنَ
أن تنهضَ من رمادها،
ويعلِّمُ الأمهاتِ
أنَّ أبناءهنَّ
خُلِقوا للحياة
لا ليصبحوا أرقاماً
في دفاترِ الغياب.
أبحثُ عن مدى
إذا جاعَ طفلٌ
خجلتْ منه الموائد،
وإذا بكتْ مدينةٌ
ارتبكَتْ خرائطُ العالم،
وإذا سقطَ إنسانٌ
شعرتِ الأرضُ
أنَّ شيئاً منها
قد سقط.
أيُّها المدى
المعلَّقُ على مسمارِ الانتظار،
كم مرّةً
صلبناكَ بأيدينا
ثم بكينا
لأنكَ لا تجيء؟
كم مرّةً
حمَّلناكَ خطايانا
وقلنا:
هذا قدرُنا؟
أنا اليوم
لا أريدُك وعداً.
ولا فردوساً مؤجَّلاً.
ولا نافذةً
يرسمُها أحدٌ لي
على جدار.
أريدُك طريقاً
تتَّسعُ فيه خُطاي.
أريدُك شمساً
لا أستعيرُ نورَها.
أريدُك جهةً
أذهبُ إليها
باسمي الكامل،
وبقلبي الذي عرفَ الهزيمة
ولم يتعلَّمِ الانحناء.
فإن لم أجدْكَ
أيُّها المدى،
سأمضي.
سأجمعُ آخرَ الضوء
من أطرافِ المساء،
وأعلِّقُه بين ضلوعي،
ثم أمشي
حتى يصيرَ الطريقُ طريقاً،
وحتّى تعرفَ الجهاتُ
أنَّ امرأةً مرَّتْ من هنا،
ولم تنتظرِ المدى،
بل صارتْ أبعدَ منه……

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى