سميح القاسم… في الذكرى الثانية عشرة لغيابه: شاعرٌ غاب جسدًا وبقي وطنًا

بقلم : د.كمال الحسيني*

في 19 أغسطس/آب 2014، غاب عن عالمنا الشاعر الفلسطيني الكبير سميح القاسم، واليوم، في الذكرى الثانية عشرة لرحيله، أشعر أنني لا أستطيع أن أتذكره من خلال الموت، لأن أمثال سميح لا يغادرون حين تتوقف قلوبهم؛ إنهم يواصلون الحياة كلما ارتفعت قصيدة، وكلما رُفعت راية، وكلما وقف فلسطيني منتصب القامة في وجه الانكسار.
حين أتذكر سميح القاسم، أتذكر أولًا ذلك الذكاء الاجتماعي الاستثنائي الذي كان يمتلكه
في كل لقاء معه كنت أتعلم.
كان يخاطب الجميع وكأنه يعرفه منذ سنوات، ويصنع من كل إنسان أمامه مساحة خاصة من الحوار والاهتمام. كان يربط الأشخاص بالقصص والمواقف والذاكرة، ويعرف متى يقول الكلمة، وكيف يقولها، ولماذا يجب أن تتحول الكلمة إلى موقف.
كان يدرك أن معنى «الواجب» لا يكتمل في اللغة، بل يبدأ على أرض الواقع.
ولهذا لم يكن سميح القاسم شاعرًا يكتب عن فلسطين من بعيد؛ كان يعيشها.
كان يصول ويجول في كل الداخل الفلسطيني، يلتقي الناس، ويصغي إليهم، ويحمل وجعهم وأسئلتهم وأحلامهم. وفي كل مكان كان يذهب إليه، كان يترك شيئًا منه، ويأخذ معه شيئًا من الناس.
وأتذكره في أريحا، مدينة القمر، وكيف احتفت به فلسطين يومها، باعتباره قيمة وقامة، شاعرًا تجاوز حدود القصيدة إلى فضاء الوطن.
وكان من أجمل ما أعتز به في مسيرة مؤسسة سيدة الأرض أن يكون سميح القاسم من أوائل المكرمين فيها، وأن يبارك خطوتها وانطلاقتها.
لم تكن مباركته لنا مجرد مجاملة من شاعر كبير؛ كانت بالنسبة لي وللمؤسسة شهادة من رجل يعرف قيمة الذاكرة، ويؤمن بأن تكريم المبدعين والمناضلين وحملة الرواية الفلسطينية هو جزء من معركة البقاء.
وحين نتذكر سميح… لا بد أن نتذكر صوته الذي غنّته الأجيال
سميح القاسم لم يكن شاعرًا يُقرأ فقط؛ كان شاعرًا يُغنّى.
وكم هو جميل أن تتحول القصيدة من صفحة في ديوان إلى صوت يصدح في المسارح والبيوت والشوارع، وأن تحفظ الألحان ما كتبته الذاكرة الفلسطينية
ومن أشهر قصائده التي وصلت إلى الناس عبر الغناء والأداء الفني:
«منتصب القامة أمشي»
القصيدة التي ارتبطت بصوت مارسيل خليفة، وأصبحت واحدة من أشهر الأغنيات التي حملت روح الشعر الفلسطيني إلى العالم العربي.
«تقدموا»
ذلك النص الذي تحوّل إلى صرخة شعرية في وجه الاحتلال، وجسّد قدرة القاسم على تحويل القصيدة إلى موقف ومواجهة
«إلى أمي»
حيث تتحول الأم من امرأة في الذاكرة الشخصية إلى صورة للوطن، وللجذر الأول الذي لا يستطيع المنفى اقتلاعه.
وغيرها من قصائده التي غُنيت وأُديت بأصوات فنانين عرب، لتصبح كلماته جزءًا من الذاكرة السمعية للعرب، لا مجرد نصوص محفوظة في الكتب.
لكن تبقى «منتصب القامة أمشي» حالة خاصة.
لأنها لم تكن أغنية فقط.
كانت وما زالت طريقة في الحياة.
أن تمشي رغم الجرح.
أن تمشي رغم المنفى.
أن تمشي رغم الهزيمة.
أن تمشي لأن الأرض التي تنتمي إليها تستحق أن تبقى واقفًا من أجلها.
وهنا تكمن عبقرية سميح القاسم؛ فقد كان يعرف أن القصيدة لا تصبح عظيمة لأنها جميلة فقط، وإنما لأنها تمنح الإنسان قدرة على الوقوف.
سميح الذي عرفته… وسميح الذي عرفته فلسطين
كلما استحضرت صورته، لا أتذكر شاعرًا يجلس خلف مكتبه ويكتب.
أتذكر رجلًا حاضرًا بين الناس.
أتذكر ذلك الحضور الذي يجعلك تشعر أنك أمام إنسان يعرف قيمة كل كلمة، ويعرف أن الوطن ليس خريطة معلقة على الجدار، بل بشر وذاكرة وأرض وكرامة.
ولهذا فإن غياب سميح القاسم لم يكن غياب شاعر عن المشهد الثقافي الفلسطيني فقط؛ كان غياب صوت من أصوات فلسطين الكبرى.
لكن فلسطين التي أنجبته لم تسمح له أن يرحل.
لقد بقي في قصائده.
وبقي في الأغاني التي غنتها الأجيال.
وبقي في أصوات من حفظوا شعره.
وبقي في ذاكرة من التقوه.
وبقي في كل فلسطيني يقول، بالفعل قبل الكلام:
منتصب القامة أمشي.
وفي الذكرى الثانية عشرة لرحيله، أقول لسميح القاسم، كما أقول دائمًا لمن أحبوا فلسطين بصدق:
قد يغيب الإنسان،
لكن ما زرعه في الناس لا يغيب.
وقد يصمت الشاعر،
لكن القصيدة لا تموت.
وقد يرحل الجسد،
لكن الوطن الذي سكنه يبقى.
سلامٌ عليك يا سميح،
في غيابك الذي لم يستطع أن يغيبك.
سلامٌ على قامَتك المنتصبة،
وعلى قصيدتك،
وعلى فلسطين التي مشيت فيها ومشت بك.
رحم الله سميح القاسم… شاعر فلسطين الذي لم ينحنِ




