أدب وفن

بين الألم والحقيقة” كتاب للباحث محمد توفيق العلي شامل وعميق

” بين الألم والحقيقة” كتاب
للباحث محمد توفيق العلي شامل وعميق .

د.أنطوان يزبك

صدر كتاب جديد : ” بين الالم والحقيقة” للباحث محمد توفيق العلي عن دار ومكتبة التراث الادبي ، والكتاب في محتواه كناية عن مؤلَّف يضاهي دائرة معارف كاملة و عشرات الكتب مجتمعة !
يحار الناقد، أمام غزارة المعلومات والأفكار و سعة أناة المؤلف و حضوره الذهني الفيّاض وهو يضع كل هذه المعلومات بمتناول الناس ، أيّ نصّ نقدي أو مقدّمة مناسبين يتناول فيهما الكتاب ، وهو يغصّ بالمحتوى الشيّق والمفيد .فأيّ محاولة صدقا ، لن تفي الكتاب حقّه . ولو فعل لسوف يحتاج ولا ريب إلى كتاب آخر رديف يواكب :” بين الالم والحقيقة “، نقدا و تمحيصا و دراسة و نقاشا !
اسمحوا لي أن لا انتظر الخاتمة كي أقول أن هذا الكتاب جيّد جدّا ، مفيدٌ وحيويّ إلى أقصى حدود الإفادة، وهو يحتوي على مكارم غزيرة : فيه إيجاز إلى جانب كثافة المعرفة، ومصداقيّة نقيّة إلى خبرة حياة وثقافة وعلم دؤوب ؛ باختصار هو دائرة معارف، للقارئ الحصيف الذي يريد أن يفهم ، يعرف ، ويتعلّم بصورة دقيقة كي يبلغ ذروة العقلانية وكمال المنطق والفهم في مجتمع يتداعى ويتساقط فيه المنطق كما أوراق الخريف الصفراء ، التي تهوي الى الحضيض .
في هذا الكتاب الشامل إحاطة بالعلوم والمعارف على أنواعها، ولا يتوانى المؤلف عن طرح الأسئلة الوجوديّة والإيمانيّة ومنها : هل يوجد دين صحيح على وجه الأرض؟…
في الصفحة 120 يوجد سؤال تأسيسي : هل يوجد إله( الله) فعلا؟
هكذا أسئلة تتوالى في كل الصفحات حيث يطرق الكاتب بهمّة أبواب علم النفس و الانثروبولوجيا والمنطق والميتافيزيقا والتاريخ والسياسة ، من أجل أن يدرس كلّ مظاهر الحياة وخاصة المظهر الديني الذي أربك ألإنسان منذ وُجد على هذه الأرض ، ويقترب بحريّة وصراحة من مسألة التطرّف الديني ودرس الأديان في عمقها وليس في الممارسات السطحيّة التّافهة التي تشوّه الإيمان والمجتمع على حدّ سواء .
أدرك المؤلّف أن الإنسان يحتاج إلى علوم الفلسفة وسائر العلوم الإنسانية من أجل الإجابة على تساؤلاته وتطرّق إلى مفهوم الديانات التي تُسمّى”إبراهيميّة” وتصرّف ألإنسان في محاكاة الإيمان بما تمليه عليه طبيعته و تأثير مجتمعه .
من بين الأمور الملفتة أيضا، يذكر المؤلف قضية شرب الخمر والبعد السيكولوجي لهذه القضيّة ، التي حرّمتها بعض الأديان، فها هو يقول في الصفحة 181 و 182: المؤمن الديني وشارب الخمر يهربان من قسوة الواقع الحياتي الذي يعيشانه . والمؤمن الديني يبحث عن العزاء في ذهابه إلى أي صرح ديني وإقامة الطقوس الدينية وشارب الكحول يبحث كذلك عن العزاء عندما يشرب الكحول. كما يقتبس الكاتب من سيجموند فرويد مؤسس التحليل النفسي الحديث القول التالي: الأديان هي أنظمة عزاء أكثر منها أنظمة معرفة.
كما ينتقل في مكان آخر ليقارن بين الفيلسوف الهندي (أوشو) وجبران خليل جبران وفي ذلك شجاعة كبيرة في مواجهة التابوهات و الممنوعات التي تفرضها مجتمعاتنا المتزمّتة والتي تقدّس الأشخاص من دون أن تدخل إلى عمق تجربتهم الفكريّة والفلسفيّة وتسعى إلى إدراك التعاليم السامية، لأن مجتمعنا يتعلّق (بالقشور من دون اللّباب) كما يقول ميخائيل نعيمة .
فرادة هذا الكاتب ، هي في قدرته على قول الكثير في إيجاز ممتع ومفيد ،و الدليل على ذلك أنه يذكر معظم الفلاسفة والمفكّرين عبر العصور ومنهم : شوبنهاور و نيوفاتس وشيشرون وديكارت و مونتسكيو وبيرك وخزعل الماجدي وجون لوك ولودفيغ فيورباخ وعشرات غيرهم ، لا أستطيع في هذه العُجالة أن أذكرهم كلّهم ها هنا . كما يتطرّق الباحث إلى المسألة الجنسيّة من زاوية التحليل المنطقي والواقعي وهذا مفيد جدّا لأنه يتوسّل منهجا حرّا ومنطقيا في مقاربة هذه القضية الشائكة ، خاصّة في بلدان الشرق حيث لا حرية جنسيّة ولا إدراك عميق لهذه المسألة، وحيث تُعالج بطريقة سيئة جدا . في الخفاء تقام الفواحش وفي العلن تدّعي المجتمعات العفّة و أنّها نقيّة تقيّة بسبب إيمانها الديني العميق و في الوقت عينه ، تمارس الجنس بإفراط من باب الخديعة والسخافة والشهوانية المفرطة التي تدمّر الإنسان من الداخل وتورث العقد للذكور والإناث على حدّ سواء .
يظهر لنا الباحث محمد توفيق العلي حقيقة الإنسان كما هي و كما يقول “دونيس ديدرو” في وصفه البشر : نحن نبتلع الكذبة التي تمدحنا ، لكننا نشرب الحقيقة المرّة رشفة إثر رشفة !

عودّ على بدء ، ليس مديحا بل من باب قول الحقيقة إن كتاب محمد توفيق العلي هو كتاب من الطراز العالي يحتاجه أكبر عدد من الناس مهما كانت اختصاصاتهم في العلوم الإنسانيّة او في العلوم الطبيّة والاقتصاد والتجارة والهندسة إلى آخره؛ لأنه يتناول المسائل الإشكالية بسلاسة وتنظيم ومعرفة عميقة وشاملة ويحللّ بهدوء وبعد نظر ومصداقيّة فهو لا يغالي ولا يبالغ بل يسير مع القارئ إلى برّ الأمان المعرفي ، عالم الإدراك والحقيقة بعد عبور جسور الألم المعلّقة بين الجهل والغيبيّات والسخافات المتوارثة .
يقول العالم الرياضي والفيلسوف فيثاغوراس :
” استمع أوّلا وتكلّم لاحقا ، وعندما تتكلم حاول أن لا تقول أشياء قليلة في كلمات كثيرة ، ولكن قل أشياء كثيرة في كلمات قليلة “.
هذا هو منهاج محمد توفيق العلي : الإيجاز الذي يثمر ويفيد كمن يبذر حبوب القمح في بيدر الحياة فتنبت بالقناطير فتفيض المعرفة ويكثر الحصاد فوّارا سخيّا يكفي الجميع ويعوّض عن قراءات كتب عديدة في محتوى واحد بين غلافي كتاب !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى