البشير عبيد: المعرفة في زمن الاضطراب : أسئلة العقل ومأزق الحقيقة

المعرفة في زمن الاضطراب : أسئلة العقل ومأزق الحقيقة
البشير عبيد / تونس
لم تعد أزمة المعرفة في العالم المعاصر مرتبطة بندرة المعلومات أو صعوبة الوصول إليها، بقدر ما أصبحت متصلة بالقدرة على فهمها والتحقق من مصادرها والتمييز بين ما يكشف الحقيقة وما يحجبها. ففي زمن تتدفق فيه الأخبار والصور والتفسيرات بوتيرة غير مسبوقة، يجد الإنسان نفسه أمام مفارقة واضحة: كلما اتسعت إمكانات الوصول إلى المعلومات، ازدادت حاجته إلى أدوات نقدية تساعده على فهم الواقع ومقاومة التضليل. لقد تراجعت احتكارات تقليدية للمعرفة، لكن انتشار المعلومات لم يؤدِّ بالضرورة إلى اتساع الوعي، مثلما أن وفرتها لا تعني تلقائيًا تراكم الفهم أو نمو القدرة على الحكم المستقل.
تتجاوز هذه المفارقة حدود التحولات التقنية لتلامس بنية الحياة الفكرية والثقافية والسياسية. فالمجتمعات لا تواجه تحدي امتلاك المعرفة فحسب، وإنما تواجه أيضًا الصراع على إنتاجها وتوجيهها وتحديد ما يستحق منها الانتشار والتداول. وفي ظل هذا الصراع، لا تُناقش الحقيقة دائمًا بوصفها مسألة معرفية تستوجب البحث والتحقق، بل تتحول أحيانًا إلى موضوع للتنافس بين روايات متعارضة، تتداخل في صياغتها المصالح السياسية والاقتصادية، وتؤثر فيها آليات الاتصال الحديثة وقدرتها على توجيه الانتباه وصناعة الانطباعات.
ليس السؤال إذن ما إذا كان الإنسان المعاصر يمتلك معلومات أكثر من أسلافه، بل ما إذا كان يمتلك شروطًا أفضل لفهم العالم الذي يعيش فيه. وهل تستطيع المعرفة، وسط الاضطرابات المتلاحقة، أن تحافظ على استقلالها النقدي، أم أنها مهددة بالتحول إلى مادة للاستهلاك السريع، وأداة لتبرير المصالح، ووسيلة لإعادة إنتاج التصورات السائدة؟ من هنا تنبع الحاجة إلى مساءلة العلاقة بين العقل والحقيقة، وإعادة التفكير في وظيفة المعرفة داخل مجتمعات تتنازعها التحولات والأزمات.
وفرة المعلومات وأزمة الفهم: حين تتراجع المعرفة أمام سرعة التداول
تقوم إحدى مفارقات العصر الراهن على أن وفرة المعلومات لا تقابلها بالضرورة زيادة مماثلة في القدرة على الفهم. فقد أتاحت الوسائط الرقمية إمكانات واسعة للوصول إلى الأخبار والوثائق والبحوث والآراء، وقلّصت المسافات التي كانت تفصل القارئ عن مصادر المعرفة، لكنها سرّعت تداول المضامين وكثّفت المنافسة على انتباه الإنسان. وضمن هذا الواقع، أصبحت المعلومة معرضة للاستهلاك قبل أن تتاح فرصة كافية لفحصها، وصار الحكم على الأحداث يتشكل أحيانًا تحت ضغط السرعة والانفعال، بدلًا من الاستناد إلى المقارنة والتحليل والتثبت.
لا تكمن المشكلة في سرعة الاتصال بذاتها، ولا في تعدد المنصات التي تتيح تداول المعرفة، وإنما في تحوّل السرعة إلى معيار ضمني لتحديد قيمة المحتوى. فقد تنتشر معلومة غير دقيقة على نطاق واسع، بينما لا يحظى تحليل موثق بالاهتمام نفسه لأنه يحتاج إلى قراءة متأنية. وقد يستقطب خطاب يستثير المشاعر جمهورًا أوسع من دراسة تضع الوقائع في سياقاتها التاريخية والسياسية والاجتماعية. وهكذا يختل التوازن بين زمن التداول وزمن الفهم: فالتحليل يحتاج إلى التمهل والربط بين الوقائع، بينما تدفع آليات النشر السريع إلى الاستجابة الفورية وتجزئة الأحداث وعزلها عن أسبابها ونتائجها.
و من شأن هذا الاختلال أن يضعف قدرة الإنسان على بناء تصور متماسك عن العالم. فمتابعة عدد كبير من الأخبار لا تعني بالضرورة إدراك الروابط التي تجمع بينها، أو معرفة القوى التي تؤثر في مساراتها. وقد تتراكم الانطباعات من دون أن تتحول إلى فهم، وتزداد قناعة المتلقي بأنه يعرف، من غير أن تتطور أدواته في مساءلة ما يتلقاه. بذلك تنشأ فجوة بين الإحاطة الظاهرية بالمعلومات والقدرة الفعلية على تفسير الواقع.
و تتعقد المشكلة حين تختلط الوقائع بالتأويلات، ويُقدَّم الرأي في صورة حقيقة ثابتة، أو تُقتطع معلومة صحيحة من سياقها لتؤدي وظيفة مضللة. فالتضليل لا يقوم دائمًا على اختلاق الوقائع؛ إذ قد يتحقق أيضًا بالانتقاء، أو إخفاء عناصر أساسية، أو تضخيم جزئية محدودة، أو ترتيب الأحداث بما يغيّر دلالاتها. لذلك لا تتحقق مقاومة التضليل بمجرد البحث عن خبر كاذب، بل تستوجب فحص السياق، ومقارنة المصادر، وتحديد ما تكشفه المعلومات وما تستبعده من مجال الرؤية.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن التحولات التي أصابت علاقة الفرد بالمعرفة. فقد أتاحت التقنيات الحديثة فرصًا مهمة للتعلم والبحث والتواصل، لكنها جعلت المتلقي جزءًا من بيئة تتزاحم فيها الرسائل ومصادر التأثير. و أمام هذا التدفق، لا يكفي الوصول إلى المعلومة؛ بل لا بد من امتلاك معايير لترتيبها وتقييمها و تحديد صلتها بالسؤال المطروح. فالمعرفة ليست تجميعًا للبيانات، وإنما قدرة على إقامة العلاقات بينها، واختبار دلالاتها، ومراجعة النتائج المستخلصة منها.
إن استعادة قيمة الفهم تقتضي إعادة الاعتبار إلى القراءة المتأنية والتفكير المنهجي والحوار القائم على الحجة. ولا يعني ذلك رفض الوسائط الحديثة، بل تجاوز وهم أن الوصول السريع إلى المعلومات يعادل امتلاك المعرفة. وكلما اتسعت إمكانات التداول، ازدادت الحاجة إلى تربية نقدية ومؤسسات تعليمية وثقافية تنمّي استقلال العقل، وتدرّبه على التمييز بين الخبر والتحليل، وبين الدليل والادعاء، وبين شيوع الفكرة وصحتها. عندئذ فقط يمكن تحويل وفرة المعلومات من عبء على الوعي إلى مورد لتطويره.
الحقيقة تحت ضغط المصالح: المعرفة بين الاستقلال و التوجيه
لا تعيش المعرفة خارج المجتمع، ولا تتشكل في فضاء منفصل عن علاقات القوة والمصالح. فتاريخ إنتاج الأفكار وتداولها يكشف أن المعرفة ارتبطت دائمًا بشروطها السياسية والاقتصادية والثقافية، وأن المؤسسات التي تنتجها أو تنشرها تؤثر في تحديد موضوعاتها وأولوياتها وطرق عرضها. لكن الاعتراف بهذه العلاقة لا يعني التسليم باستحالة الوصول إلى الحقيقة، ولا يبرر اختزال كل معرفة في مجرد تعبير عن مصلحة؛ بل يدعونا إلى التمييز بين الظروف المحيطة بإنتاج المعرفة والمعايير التي تسمح بتقييم صدقيتها.
يبدأ الخطر حين تتحول المصالح من عامل يمكن إخضاعه للنقد إلى قوة تحدد مسبقًا ما ينبغي تصديقه وما يجب استبعاده. ففي المجال السياسي، قد تسعى أطراف متنافسة إلى تثبيت روايات تخدم مواقعها، وإبراز وقائع وإهمال أخرى، أو تقديم الأحداث ضمن أطر تفسيرية تجعل موقفًا بعينه يبدو بديهيًا أو وحيدًا. ولا تقتصر هذه الممارسة على الأنظمة السياسية والمؤسسات الرسمية؛ فقد تظهر أيضًا في وسائل الإعلام، والخطابات الأيديولوجية، وجماعات الضغط، وحتى في أوساط ثقافية يُفترض أن تتولى مساءلة الأفكار لا تحصينها.
لا يدور الصراع على الحقيقة حول الوقائع وحدها، بل يشمل القدرة على تحديد المفردات التي توصف بها الأحداث، و السياقات التي تعرض ضمنها، والأسئلة التي يسمح لها بالظهور في المجال العام. فاختيار المصطلحات ليس محايدًا دائمًا، كما أن ترتيب الأولويات الإعلامية قد يؤثر في إدراك الجمهور لأهمية قضية مقارنة بأخرى. وحين تتكرر رواية بعينها وتُحجب عنها البدائل أو الأدلة المناقضة، قد تستمد قوتها من كثافة حضورها لا من متانة حججها.
من هنا تبرز ضرورة التمييز بين الحقيقة بوصفها موضوعًا للبحث والتحقق، والرواية بوصفها صياغة للأحداث قد تصيب أو تخطئ، والتفسير الذي يقدم حججًا قابلة للفحص، والخطاب الذي يطلب التسليم من دون دليل كافٍ. فالحقيقة لا تصبح كذلك لمجرد أن جهة نافذة أعلنتها، ولا تفقد صدقيتها لمجرد أن جهة أخرى تعارضها. وينبغي أن يستند الحكم إلى الأدلة، واتساق التفسير مع الوقائع، وإمكان مراجعة النتائج حين تظهر معطيات جديدة.
في هذا الإطار، تكتسب استقلالية المؤسسات العلمية والبحثية والإعلامية والثقافية أهمية تتجاوز حماية أصحاب المهن المعنية. إنها تتصل بحق المجتمع في امتلاك أدوات تساعده على فهم ذاته والعالم، والوصول إلى معلومات موثوقة، ومناقشة القرارات والخطابات التي تؤثر في حاضره ومستقبله. فحين تخضع المعرفة لإملاءات سياسية أو اقتصادية مباشرة، أو تصبح المؤسسات عاجزة عن مراجعة مواقفها، تتقلص المساحة المتاحة للنقد، ويغدو إنتاج الأفكار أقرب إلى التبرير منه إلى الاكتشاف والمساءلة.
لكن الدفاع عن استقلال المعرفة لا يكتمل بمجرد المطالبة بحرية التعبير، على أهميتها. فهذه الحرية تحتاج إلى شروط مؤسسية تحمي الباحث والصحفي والكاتب من الضغوط، وتتيح تداول المعلومات، وتدعم التعددية، وتضمن إمكان مساءلة أصحاب النفوذ. كما تحتاج إلى ثقافة عامة لا تتعامل مع الاختلاف بوصفه تهديدًا، ولا تجعل الانتماء إلى موقف سياسي أو أيديولوجي بديلًا من فحص الحجج.
لا يعني ذلك أن الباحث أو المثقف يستطيع التحرر الكامل من خلفيته الاجتماعية والثقافية، أو أنه يمتلك حيادًا مطلقًا. فكل معرفة تنطلق من أسئلة محددة وتتأثر باختيارات منهجية وخبرات بشرية. غير أن الاعتراف بهذه المحدودية هو ما يمنح التفكير النقدي قيمته؛ إذ يدفع صاحبه إلى توضيح منطلقاته، واختبار استنتاجاته، والاستعداد لمراجعتها. فالاستقلال الفكري لا يعني ادعاء امتلاك الحقيقة كاملة، بل رفض تحويل القناعات إلى أحكام نهائية لا تقبل النقاش.
إن المأزق لا يتمثل في تعدد الروايات، لأن الاختلاف قد يوسّع الفهم، وإنما في غياب المعايير المشتركة التي تتيح المفاضلة بينها. وحين تصبح كل رواية مكتفية بذاتها، وتُقيَّم الأدلة وفق موافقتها للمواقف المسبقة، يتراجع المجال الذي يمكن أن يلتقي فيه المختلفون حول الوقائع، حتى إن استمر خلافهم في تفسيرها. لذلك تقتضي حماية الحقيقة الجمع بين حرية البحث والمسؤولية في إنتاج الخطاب، وبين تعدد وجهات النظر والالتزام بالدليل، وبين حق الاختلاف وإخضاع الادعاءات للفحص.
العقل النقدي ومواجهة الاضطراب: نحو ثقافة تجعل السؤال أساسًا للمعرفة
إذا كانت وفرة المعلومات قد كشفت حدود التلقي السريع، وكانت المصالح قادرة على التأثير في إنتاج الروايات وتداولها، فإن تجاوز هذه المعضلة لا يتحقق بالحنين إلى زمن سابق، ولا بإجراءات تقنية منفردة، بل ببناء ثقافة نقدية تجعل العقل شريكًا فاعلًا في إنتاج المعرفة. ولا يعني العقل النقدي الاعتراض الدائم على كل شيء، أو التعامل مع جميع الأفكار بوصفها موضع شك متساوٍ، بل امتلاك القدرة على فحص الأدلة، وتحديد الافتراضات، ومراجعة الاستنتاجات، والتمييز بين ما نعرفه وما نظن أننا نعرفه.
يمثل السؤال نقطة انطلاق أساسية في هذه العملية. فالمعرفة التي لا تسمح بمساءلة مقدماتها معرضة للتحول إلى مجموعة من المسلّمات، مهما بدا خطابها منظمًا أو واسع الانتشار. وحين يتعلم الإنسان أن يسأل عن مصدر المعلومة، والظروف التي أنتجتها، والغاية من تداولها، والأدلة التي تسندها، ينتقل من موقع المستهلك إلى موقع المشارك في بناء الفهم. وليس المطلوب أن يتحول كل متلقٍّ إلى متخصص في جميع المجالات، بل أن يمتلك أدوات تساعده على تجنب التسليم غير المشروط، والتمييز بين ما يستحق الثقة وما يحتاج إلى مزيد من التحقق.
و تبدأ التربية النقدية من المدرسة والجامعة، لكنها لا تنتهي عندهما. فالمؤسسات التعليمية مطالبة بتجاوز التلقين الذي يجعل النجاح مرتبطًا باستعادة المعلومات، و الانتقال إلى مناهج تشجع التحليل والمقارنة وبناء الحجج. كما أن الجامعة مطالبة بتعزيز البحث المستقل، وربط التخصصات، وفتح المجال أمام نقاش لا يخشى مراجعة النتائج. أما المؤسسات الثقافية والإعلامية، فعليها توسيع مساحة المعرفة العامة، وتقديم مضامين تساعد الجمهور على فهم القضايا المعقدة بدلًا من الاكتفاء بعرضها في صور مبسطة تفقدها دلالاتها الأساسية.
لا يمكن إغفال المسؤولية الفردية. فمقاومة التضليل تبدأ من استعداد الإنسان لمراجعة قناعاته، لا من البحث عن أخطاء الآخرين وحدهم. فكثيرًا ما يتعامل الأفراد مع المعلومات التي توافق تصوراتهم بتساهل، بينما يطالبون المعلومات المخالفة بمعايير صارمة من الإثبات. وهذه الانتقائية تضعف الحكم على الوقائع وتحول المعرفة إلى وسيلة لتأكيد الهوية والانتماء. أما التفكير النقدي فيقتضي تطبيق المعايير نفسها على الآراء التي نؤيدها وتلك التي نعارضها، والاستعداد للاعتراف بالخطأ حين تفرض الأدلة ذلك.
تفرض التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي أسئلة إضافية حول طبيعة المعرفة وحدود الثقة في مصادرها. فقد أتاحت هذه التقنيات إمكانات واسعة للمساعدة في البحث والتحليل والتعلم، لكنها جعلت التحقق من بعض المضامين أكثر إلحاحًا، خصوصًا حين تنتج أنظمة الذكاء الاصطناعي إجابات متماسكة الصياغة لا تخلو من أخطاء. كما أصبح إنشاء صور وتسجيلات ونصوص مضللة أكثر سهولة، بما يجعل الانطباع وحده معيارًا غير كافٍ للحكم على أصالة المحتوى. ولهذا لا يجوز التعامل مع المخرجات الرقمية باعتبارها أدلة مكتفية بذاتها؛ بل ينبغي التثبت من مصادرها ومقارنتها بالمراجع الموثوقة والتمييز بين ما تدعمه الوقائع وما يظل احتمالًا أو ادعاءً.
و لا يعني ذلك رفض التطور التقني أو وضع الإنسان في مواجهة أدوات يمكن أن توسع قدراته. المسألة هي تحديد الشروط التي تجعل التقنية في خدمة المعرفة، لا بديلًا من المسؤولية الفكرية. فالأداة قد تسرّع الوصول إلى المصادر أو تنظيم البيانات أو اقتراح تفسيرات، لكنها لا تعفي المستخدم من فحص النتائج وتقدير حدودها. وكلما اتسعت إمكانات إنتاج المحتوى آليًا، ازدادت أهمية الحكم البشري المستند إلى المعرفة والمنهج والتحقق.
و تتصل هذه المسألة بمستقبل الثقافة الإنسانية أيضًا. فالمجتمع الذي يختزل المعرفة في المنفعة العاجلة، و يقيس قيمة الأفكار بمدى انتشارها أو قدرتها على تحقيق عائد سريع، قد يهمّش مجالات أساسية في بناء الوعي، مثل الفلسفة والتاريخ والأدب والفنون. وهذه المجالات ليست ترفًا منفصلًا عن الواقع؛ فهي تساعد الإنسان على فهم التجارب المختلفة، واكتشاف تعقيد الدوافع البشرية، ومساءلة المعايير التي تحكم حياته. فالأدب يكشف جوانب من التجربة الإنسانية لا تختزلها الأرقام، والفلسفة تدرب العقل على فحص المفاهيم والافتراضات، والتاريخ يذكّرنا بأن الحاضر ليس معطًى ثابتًا وأن التحولات التي تبدو مستحيلة قد تصبح ممكنة حين تتغير شروطها.
من هذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى المعرفة باعتبارها رصيدًا من المعلومات يمكن جمعه وتخزينه، بل ممارسة مستمرة لفهم العالم ومراجعة علاقتنا به. وهي ممارسة لا تستقيم من دون الاعتراف بإمكان الخطأ، ولا تتقدم حين تتحول القناعات إلى حواجز تمنع استقبال الأدلة الجديدة. فالعقل الذي لا يراجع أحكامه يفقد قدرته على التعلم، والثقافة التي تخشى النقد تتحول إلى تكرار لمقولات سابقة، والمجتمع الذي لا يتيح تداول الأسئلة يعرض نفسه لفقدان أدوات فهم تحولاته ومواجهة أزماته.
إن بناء عقل نقدي لا يضمن اختفاء التضليل أو انتهاء الصراعات على الحقيقة، لكنه يعزز قدرة المجتمع على اكتشاف التناقضات ومساءلة الخطابات وتقييم الخيارات. كما يفتح المجال أمام اختلاف مسؤول، لا يقوم على إلغاء الآخر أو التشكيك المسبق في نواياه، بل على مناقشة حججه وأدلته. وتزداد أهمية هذه القدرة في زمن تتشابك فيه الأزمات السياسية والاقتصادية والبيئية، وتتجاوز آثارها حدود الدول، بحيث يرتبط فهم كل قضية بإدراك سياقات أوسع من التجربة الفردية أو المحلية.
إن المعرفة التي يحتاج إليها عالم مضطرب ليست معرفة تدّعي امتلاك إجابة جاهزة عن كل سؤال، بل معرفة قادرة على تحديد ما تعرفه، وما تجهله، وما يحتاج إلى التحقق. وهي لا تقاس بحجم المعلومات المتاحة وحده، وإنما بقدرتها على تحرير العقل من التبعية، وتوسيع أفق النظر، وإنتاج أحكام قابلة للمراجعة. وحين تستعيد الثقافة هذه الوظيفة، يصبح السؤال أداة للبناء لا علامة على العجز، ويغدو الاختلاف فرصة لاختبار الأفكار بدلًا من أن يكون مبررًا للقطيعة.
إن مأزق الحقيقة في زمن الاضطراب ليس قدرًا محتومًا، كما أن وفرة المعلومات ليست ضمانة تلقائية لتقدم الوعي. فما بين الإمكانات التي تتيحها المعرفة والعوائق التي تعترضها، تتحدد مسؤولية الإنسان و المؤسسات و المجتمع. ليست المسألة أن نعرف أكثر فحسب، بل أن نتعلم كيف نعرف، و كيف نتحقق، و كيف نميز بين ما تؤيده الأدلة و ما تفرضه المصالح، وكيف نحافظ على استقلال العقل في مواجهة الضجيج و تضارب الروايات.
إنً الرهان الأساسي اليوم هو أن تظل المعرفة فعلًا نقديًا مفتوحًا، لا مخزونًا مغلقًا من اليقينيات، وأن تبقى الحقيقة أفقًا للبحث المشترك، لا ملكية حصرية لجهة أو جماعة أو خطاب. فحين تتراجع القدرة على السؤال، تتسع المساحة التي تتحرك فيها الأوهام؛ وحين يستعيد العقل حقه في الفحص والمراجعة، تستعيد المعرفة قدرتها على الإسهام في فهم الواقع وتغييره. تلك هي المهمة التي تفرضها التحولات الراهنة على الثقافة، وذلك هو الشرط الضروري كي لا تتحول وفرة المعلومات إلى شكل جديد من أشكال الجهل، وكي يظل الفكر قادرًا على مقاومة الاضطراب بدلًا من الاستسلام له.
- شاعر و كاتب صحفي و باحث في قضايا التنمية و المواطنة آخر ارهاصات المشهد الثقافي العربي.




