إبحار على متن القصيدة

كرم الضاد / قصيدة الشاعر ابراهيم عودة
كرم الضاد
حدَّقتُ في لغة الضادِ التبستُ بها
كوجهِ كأسِ نبيذٍ حاور العنبا
ما الحقلُ ؟ ما الكرمُ ؟ ما العنقودُ ؟ ما عرفوا
إلا الذي قطرةً من أضلعي سُكبا
هذي هي الضاد خمرٌ في عبارتها
أنْ كلُّ ما قلَّ من تكثيفه رَحُبا
ليست حروفا ولا لفظا فتلك انا
أو شاعرٌ تائه من ذاته اقتربا
أدنو من الكرم كي اجتازه فأرى
وجهي الذي طالما عن اعيني احتجبا
لا سرَّ في الخمر قال الكرم حكمتَه
إلا الجداول … كي يسقي كما شربا
أعتى الينابيع حطَّت عند كرمتها
وأترعتْ في البذور الفكرَ والأدبا
فمن أعُدُّ ؟ لكلٍّ بصمةٌ ومدى
وبين أتلامِهم نخلُ الزمان حبا
طافوا مع الحرف خلتُ الأرضَ معجمَهم
وحلَّقوا فيه حتى أمطروا السُحُبا
فمن أعدُّ ولا تُحصى معاجمهم
من بينهم مثلا ربُّ السما كتبا
أنثى إذا بدَّلت أثوابها ازدهرت
وكلُّ ما شعَّ أخفت تحته ذهبا
قصر وصقر ورقص والحروف هي
الحروف … نسلٌ كأنْ من ثوبها سُحبا
حرفان .. ربٌّ وبِرٌّ … زاد أفقَهما
بَرٌّ وبرٌّ … ومعنى فاض حين ربا
رَ .. ذاك حرفٌ وأمرٌ في كثافته
قِ ما ورِثتَ وزد في أصلها نسبا
قد أكمل اللهُ خلقَ الكون بامرأة
وأتقنَ الضاد حتى يكملَ الكُتُبا
قراءة أدبية بقلم الدكتور عماد يونس فغالي
” قطرةُ الله… الضادُ خمرتُه!
القصيدةِ إنْ قرأتَ تخالُها بعضَ مدحٍ للغةِ، لكن متى غصتَ، أيّ عمقٍ جماليٍّ تطاولتها… ابراهيم عوده، نشوانَ من سكرةِ الضاد أترعتَ ندمانكَ حتى انتشى الله، ف “أتقنَ الضاد حتى يكملَ الكُتُبا”.
من وارفِ الكرمةِ، “إلا الذي قطرةً من أضلعي سُكبا”، روحُها المسكوبُ فعلُ بدعتها… “هذي هي الضاد خمرٌ في عبارتها”، من كلّ حروفٍ، في تكثيفها الرحُبُ.. وتكثّفتِ الحروفُ في ضنّها ولدتَ من بذورها الفكر والأدبا…
اللغةُ الكرمةُ، الحروف الضادُ خمرتُها… العنقود الكرمةُ حقلتُها… معصورُها كلّ الوصولِ خمرتها… ساقٍ ومستقٍ، قطرةً، حلاوةُ الدنّ أطيبها…
اللغةُ حروفٌ “ليست حروفا… فتلك شاعرٌ تائه من ذاته اقتربا”، “كي يسقي كما شربا”، لا من ينابيع حطّت عند كرمتها، بل من بذورٍ أينعت فكرًا أدبا..
شعراءُ أدباءُ أهلُ الفكر لا يُحصَون، عدّ من بينهم “ربَّ السما كتبا”… من كثافته، من لغته، الخلقَ أكملَه، فيضًا من ألوهته، ومن فيضه الكائنِ فكرًا وأدبًا، لغتُه أتقنَها، الضاد أتقنَها، “كي يُكملَ الكتبا”…
الضادُ القطرةُ التي أترعتْ، منظومةَ الدنيا أكملتْ، ونمتْ في الله حتى أبدعَ “الكتبا”… تتصوّرُها في دورها “الإلهيّ” شريكةً في الخلقِ في الإبداعِ، احتاجها اللهُ، وإنْ، ربّما، الشاعرُ والله صنوان. من ذاته أعطى الله الموهبةَ، اجتازتْ الإنسانَ في ذاته كوّنته خلاّقًا، يخرجُ على العاديّ في صنع الجمال…
هذا أنتَ ابراهيم عوده، تعريف كائنِ ذاتكَ شاعرًا، وصفَ حالكَ ههنا، الله ما أحلاكَ تعرف من أيّ نبعةٍ لا تجفّ، تستقي… لغتُكَ أنتَ، الضادُ مرتعُها، هاتِ منها دومًا، فما لنا من نشوتكَ من بدِّ!