منتديات

لبنان : أيقونة التنوير

ما يمر به لبنان هذه الأيام من أزمات خانقة صعب علينا كعرب أن نقف حيالها موقف المتفرج، لابد من دعم هذا البلد الساحلي الصغير جغرافيا الكبير في ثقافته وتراثه وفنونه، وهو بلد نموذج أو كان نموذجا للحرية والليبرالية والتنوع، حتى وقت قريب إلا أن أحداث الحياة لا تتحرك أحيانا كما يجب لاستمرار الوهج الحضاري والتنويري لهذا البلد.
إن التأثير اللبناني الثقافي كبير وفضله المعرفي والتنويري ضخم وجلي على أمة العرب في زمننا المعاصر، وهو من أوائل البلاد العربية مع مصر الذي بدأ رحلة النهضة والإحياء، وتملك زمام مبادرة الترجمة والفن والصحافة والمسرح قبل أن ينتقل بها إلى مصر أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين حيث كانت مصر تمر بنهضة كبرى اسهم فيها اللبنانيون بنصيب كبير إبداعا وفنا وترجمة، مع الإخوة الشوام، ونحن في مصر نطلق مسمى : بلاد الشام على فلسطين وسوريا ولبنان ثم الأردن.
ولا أدل على ذلك من تأسيس المسرح العربي على يدي مارون النقاش اللبناني وأبي خليل القباني السوري ويعقوب صنوع المصري و من تأسيس صحيفة الأهرام العريقة على يدي نقولا وبشارة تقلا في سبعينيات ق ١٩ وتأسيس مجلة الهلال على يد جورجي زيدان وغيرها من عشرات المجلات والصحف التي نقلها اللبنانيون لمصر وأسهموا إسهاما كبيرا في النهضة الثقافية العربية.
بل لم يكتف اللبنانيون بذلك وهم من الشعوب المغامرة العملية، بل كانوا أول المهاجرين العرب إلى الامريكتين حيث أسسوا هناك روابط ثقافية متعددة منها الرابطة القلمية والعصبة الأدبية وأنشأوا العديد من الصحف والمجلات هناك وأبدعوا شعرا ونثرا ونقدا ورواية وترجمة.مما أثرى الأدب العربي والثقافة العربية بأدب المهجر بشكل كبير وخلاق ومدهش بمقاييس المرحلة وقتها.
ومن أبدع الأمور التي لم تحدث في أي بلد عربي تملكهم لشؤون الطباعة الراقية، أغلب الكتب الرائعة تطبع ببيروت، الشعر المتقدم ببيروت، الترجمة ببيروت، دار العودة ودار صادر ودار النهضة العربية ودار الآداب ودار رياض الريس ثم المركز الثقافي العربي – تمثيلا- كانت حلما من أحلام أي أديب عربي أن يطبع فيها. مجلات لبنان وصحفه وإعلامه وترجماته وقواميسه تقدم بمستوى راق أدبيا وتحريريا وفكريا . هناك مدرسة لبنانية متميزة في الصحافة والإعلام جعلها تنافس وتتفوق على المدرسة المصرية العريقة، هناك فن لبناني أصيل، فضلا على الموضة والأزياء، والمطبخ اللبناني، والحياة الممتزجة بالإبهار والتجديد والأناقة بل واللهجة المتميزة.
لبنان الجميل هذا يمر بأزمة طاحنة لأكثر من عام، منذ اشتعال الحرائق أكتوبر ٢٠١٩ وانطلاق احتجاجاته الثورية في ١٧ أكتوبر من العام الماضي ثم حدوث الجائحة العالمية كورونا، وهي أزمة طاحنة بشكل حقيقي لم يمر بها لبنان منذ الحرب الأهلية ١٩٧٥ ثم الغزو الصهيوني ١٩٨٢ ثم الاعتداءات الصهيونية ١٩٩٦ و٢٠٠٦. ورغم صموده المشرف – على قلة إمكانياته العسكرية – في وجه العدو الإسرائيلي وإعادة البناء أكثر من مرة إلا أن الفساد دمر بنية حياته اليومية، وجعله ينزف اجتماعيا واقتصاديا، وتزيد معاناته الاقتصادية مع ارتفاع الدولار أمام الليرة اللبنانية بشكل عاصف، فضلا على الحصار الاقتصادي الدولي عليه من أجل مواقفه السياسية الرافضة للتسوية ولصفقة القرن.
ومع أن التقارير تشير لوجود فئة لبنانية تمتلك مليارات الدولارات بالخارج والداخل إلا أنها فئة لا تتسم بوطنية حقيقية ولا تقدم دعما للشعب اللبناني للتخلص أو عبور أزمته الاقتصادية الطاحنة في انتظار ما تسفر عنه مباحثات أو محاولات تشغيل حقول الغاز في البحر المتوسط التي من المتوقع أن تدر مليارات الدولارات على الخزينة اللبنانية.
بالتأكيد هناك عوامل داخلية لهذه الأزمة وعوامل خارجية قادمة من بعض الدول العربية والإسلامية، لكن لبنان يحتاج بشدة التخلص من أزمته. والعرب من المفترض أن يمدوا يد العون لهذا البلد الراقي معرفيا.
لا نريد أن نخسر لبنان الثقافي والتنويري، لبنان المغامر الذي ترى مهاجريه في أغلب الأماكن البعيدة في عمل دائب وبحث عن حرية مفتقدة، لا نريد أن نخسر لبنان الطباعة والترجمة والإبداع والشعر والإعلام والفنون والثقافة.
لبنان في الذاكرة الإبداعية دائما، ولا يخلو بحث أكاديمي علمي عربي من كلمة: بيروت. فهل ستبقى أنوار لبنان ساطعة متوهجة؟

عبدالله السمطي/ شاعر و ناقد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى