أدب وفن

رُؤيةٌ مختلفةٌ إلى إِرْهاصاتِ النَّهضَةِ فِي الشِّعرِ العربيِّ في القَرْنِ التَّاسِع عَشَر (الحلقة الخامسة)


نماذج من الإرهاصات في الجزيرة العَرَبِيَّة


الدكتور وجيه فانوس
دكتوراه في النقد الأدبي من جامعة أكسفورد

أ – في الجزيرة العَرَبِيَّة
كانت معظم أرجاء الجزيرة العَرَبِيَّة خاضعة في القرن التَّاسِع عشر للسلطة السياسية للدولة العثمانية؛ لكن يبدو أنَّ بُعد الموقع الجغرافي للجزيرة، عن مراكز القرار السياسي في الآستانة، جعل في إيقاع الحياة فيها ما يتميَّز به عن إيقاعات الحياة في المناطق العَرَبِيَّة الأخرى الأكثر قربا جغرافيا من الآستانة. لم يكن الوافد الغربي، المقبل عبر جهود المبشرين المسيحيين وجهود الدول الأوروبية الساعية إلى وراثة سلطة الآستانة، وخاصة في أبعاده الفكرية والثقافية، عاملاً أساسيَّاً في تحديد خطوات النَّهضة الشِّعريَّة في تلك البقعة.
كان شعراء الجزيرة ينظمون الشِّعر ضمن توجهين اثنين، تمثَّل أحدهما بشعر عربي يستخدم اللُّغَة العَرَبِيَّة الفصحى، في حين تمثَّل الآخر بشعر عربي يستعين باللهجات المحليَّة للتعبير عن موضوعاته. وكان لهذا التوجُّه الأخير سطوته وانتشاره بين بعض شعراء الجزيرة، كما كان له جمهوره العريض الذي يقبل عليه ويرتاح إلى أساليبه ويعجب بها. ومن هنا، يمكن القول أنَّ إرهاصات النَّهضة الشِّعريَّة في الجزيرة العَرَبِيَّة اتَّخذت منحى تعزيز الشِّعر بالعَرَبِيَّة الفصحى وتقريبه من الجمهور وترغيب الجمهور في الإقبال عليه. ومن هنا، فقد صار همُّ الشعراء الروَّاد، في هذا المجال، العمل على تجويد اللُّغَة العَرَبِيَّة الفصحى للشعر، لكن من غير ما وقوع في تقعر اللفظ أو وحشيته، ومن دون إغراق في موضوعات لم تعد من هموم الحياة المعاصرة لناسهم. وكان للجزيرة بهذا ما أمَّن لها مناخاً خاصَّاً بها، على المستوى الثقافي على الأقل، فكان للشعراء فيها أجواء خاصة بهم وملامح نهضة انمازوا بها عن سواهم من شعراء العَرَبِيَّة في تلك الحقبة من الزمن.
ولمَّا كانت الأجواء الثقافية في الجزيرة عربية بامتياز، فقد كانت جهود الشعراء، من أهلها، تصبُّ في خانة تنقية الشِّعر العربي مما كان علق به من آثار الشِّعر النبطي ومافيه من ركون إلى اللُّغَة العامية المحكية. ومن هذا ما يجده المرء في بعض قصائد كثير من الشعراء ومنهم ماجد بن صالح الخليفي ( 1873 – 1907 م)، وقد ولد في الدوحة (قطر) – وتوفي في منطقة أم الكتيب جنوبي جزيرة حالول، والذي نظم شعراً نبطيَّا كما نظم شعرا فصيحا، لكن شعره الفصيح ظلَّ متأثراً بالمنحى النَّبطي لدرجة أورثت بعض القصائد بساطة لغة وسذاجة تركيب تكاد أن تصل بالقصيدة إلى حدود السهولة الموحية بالرَّكاكة وطفولة الشِّعر. فمن منظومات ماجد بن صالح الخليفي:
يا عينُ جودي بدمع منكِ مدرارِ
واحكي السحابَ إذا هلّتْ بأمطارِ
وابكي على جنّة طاف المنونُ بها
قضّيتُ منها فما قضّيتُ أوطاري
يا عينُ هذا أوانُ الدمع فانسكبي
وابكي عليها وسِحِّي دمعكِ الجاري
فلو بكيتُ عليها الدهرَ فيضَ دمٍ
في حقّها ما بلغتُ ربعَ معشار
قد جئتُ للدار لما أُبْتُ من سفري
نحو الحبيب فما في الدار ديّار
يا طولَ حزني عليها ثم يا أسفي
ما أنغصَ العيشَ بل ما أوحشَ الدار
قد كنتُ أحذر هذا قبل موقعهِ
فالآنَ يا بينُ قد حقّقتَ أحذاري

وكذلك هو الحال في بعض ما نظمه عبد الله الفرج، في مثل مدحه لأحمد فارس الشدياق:
رعى الله أرباب الحجا والمناصب
وجاد لهم من فضله بالمواهبِ
لأنهم في العصر عند ذوي النهى
همُ الناس أبناء الكرام الأطايب
تودّهمُ أهل المناقب في الورى
وإن لم نكن من أهل تلك المناقب
ألا إن أرباب الفصاحة عندنا
مناصبهم تعلو جميع المناصب

عبدالله الفرج

فاللُّغَة بسيطة إلى درجة السذاجة ربما، والفنيَّة الشِّعريَّة تكاد تكون معدومة أمام طغيان النثريَّة المسطحة المباشرة التي لا تكاد تختلف عن سياقات التعبير في كلام نثري يتوجه به بعض النَّاس إلى بعضهم الآخر في المخاطبات اليومية.
عبد الله الفرج

ومن جهة أخرى، فقد شُغِلَ بعض الشعراء بنظم التواريخ الشِّعريَّة إلى درجة مفرطة كادت تحوِّل الشِّعر، من روحية الإحساس والتعبير الفني والتأثير الجمالي، إلى مجالات من مهارة تركيب ألفاظ تأتلف فيما بينها لتقدِّم تأريخا معينا لحدث ما. ومن هذا القبيل ما قام به عبد الله الفرج في تقريظه الشِّعري الطويل لكتاب «الآيات البينات» للسيد عبدالوهاب بن السيد أحمد الموسوي النقشبندي، فوضع في كل شطرمن القصيدة تاريخاً لتأليف الكتاب هو سنة 1307هـ، وذلك في مثل قوله:
حُبِيَ الكتابُ بمشفياتْ (1307)
آياتُ صدقٍ أُرسمتْ (1307)
ونصوصهنَّ تحبَّرتْ (1307)

آيٌ تجلَّتْ بيّناتْ (1307)
تأوي لحلّ المشكلات (1307)
أبداً تُريح مُعنعنات (1307)
ولعلَّ الإنجاز الأكبر لشعراء الجزيرة، في تلك المرحلة، كان شد أزر الشِّعر العربي الفصيح والعمل على نشر مبادئ جودة صنعته اللغوية وجماليَّة أساليبه التَّعبيرية. ويعتبر محمَّد بن عثيمين، في هذا المجال، واحداً من أبرز رواد نهضة الشِّعر العربي في الجزيرة، (1854-1944) شاعر سعودي، من شعراء نجد، عبر ما قدَّمه من منظومات شعريَّة من مثل قوله في قصيدته التي مطلعها “العِزُّ والمَجدُ في الهِنْدِيَّةِ القُضُبِ”، والتي جاء فيها:
اللهُ أكبرُ هذا الفَتْحُ قَدْ فُتِحَتْ
بِهِ مِن اللهِ أَبْوَابٌ بلا حُجُبِ
فَتْحٌ تُؤَرِّجُ هذا الكونَ نَفْحَتُهُ
وَيُلْبِسُ الأَرْضَ زِيَّ المَارِحِ الطَّرِبِ
فَتْحٌ بِهِ أَضْحَتِ الأَحْسَاءُ طَاهِرَةً
مِن رِجْسِهَا وهي فيما مَرَ كالجُنُبِ
شُكْرًا بَنِي هَجَرٍ لِلْمُقْرِنِيِّ فَقَدْ
مِن قَبْلِهِ كنتمُ في هُوَّةِ العَطَبِ
قَدْ كنتمُ قبلَهُ نَهْبًا بِمَضْيَعَةٍ
ما بينَ مُفْتَرَسٍ مِنْكمْ ومُسْتَلَبِ

إذ يلاحظ في هذه الأبيات، وهي من قصيدة طويلة، جودة السَّبك وجزالة المعنى، وجلالة التصوير؛ حتَّى كأن متلقي هذا النّصَّ الشِّعري يكاد يخال نفسه، في بعض محطَّات القصيدة، وكأنَّه في حضرة شعر المتنبي في ومضات من قصيدة “الحدث الحمراء”!
ومع ضعف انتشار وسائل الإعلام، مثل الصحافة وسواها في الجزيرة، يمكن للمرء أن يقدِّر عاليا جهود شعراء الفصحى التي قاموا بها في هذه المرحلة. لقد تمكَّن بعض شعراء الجزيرة، في هذه المرحلة، من التنقُّل بين أفياء الجزيرة، ينشرون نتاجهم الشِّعري في مجالس أهل الجزيرة وناسها وينقلون لمتلقيهم من شعراء مناطق الجزيرة أنموذجاً شعريَّاً يشجع على الاقتداء به والنسج على منواله. وعلى هذا الأساس يمكن القول أن رحلات شعراء أمثال عبد الجليل الطباطبائي، (1776 – 1853 م) وهو شاعر عراقي عاش معظم حياته في إقليم البحرين في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي، وارتحل عبر مناطق الجزيرة، كانت مؤشرا إلى مساع في لفت الانتباه إلى أهمية صوغ الشِّعر باللُّغَة العَرَبِيَّة الفصحى والحفاظ على أسس نظم القصيدة العَرَبِيَّة ومناحٍ من جمالياتها. ومن شعر الطباطبائي في هذه المرحلة:
لك الله إني من فراق الحبائب
لفي لاعج بين الأضالع لاهب
أكابد أشواقًا يكاد لفرطها
توقد في جنبي نار الحباحب
هواي زباريٌّ ولست بكاتم
هواي ولا مصغٍ للاحٍ وعائب
أتوق إذا هب الجنوبي لأنني
أشمّ الغوالي من مهب الجنائب

والملاحظ أنَّ الأبيات، في هذا الأنموذج، تقليديَّة بشكلها وأسلوبها الفنِّي؛ بيد أنها أبيات تأتي بلغة سليمة لا ركاكة فيها أو ضحالة ولا تقعر في معانيها أو وحشية في ألفاظها. إنها أبيات يمكن أن تشكِّل أنموذجاً للشعر الخطابي السَّلس، الذي يراعي أصول اللُّغَة ويحافظ على الجمالية التقليدية للتراث، من غير أن يكون غريبا عن التواصل المعاصر مع ناس زمنه ومفاهيمهم.


ولم يقف الأمر، في نشر نماذج طيبة من الشِّعر العربي، عند الطباطبائي وحده؛ بل ثمَّة ثلَّة من الشعراء كانوا يجرون في هذا الخضم؛ ولعلَّ من أبرز هؤلاء إبراهيم بن محمَّد الخليفة (1850-1933)، الذي يقول، على سبيل المثال وليس الحصر، في رثاء والده:
قضاء محكم لا يستطاع
تـلا فيه ولا عنـه امتناع
وأمر مبرم قهر البرايا
فـلا أحـد لـه عنـه انـدفـاعُ
ألا ما للمصائب كـل يـوم
لنا منها انصداع وانقطاعُ
وما للمزعجات من الليالي
أراعتنا وليـس بهـا ارتياعُ
ومـا لحوادث الأيـام عنـدي
أقامت ما لها عني زماعُ
هـلـمـي يـا ملـمـات الليـالـي
فما في الكف بعد الزند باعُ
وشـني غـارة فيمـن تركـت
فما في العيش بعد أبي انتفاع

فالنَّصُّ على ما فيه من نزعة تقريريَّة واضحة ومنحى خطابي مباشر، لا يمكن إغفالهما، ورغم ما يقوم عليه من لُعَبٍ بلاغية تقليدية بسيطة، يقدِّم ذاته بلغة فصحى سليمة ناصعة هي ابنة العصر ونتاج تفاعل ناسه مع حياتهم المعيشة فيه.
​ولعلَّ قمة إرهاصات النَّهضة الشِّعريَّة في الجزيرة يمكن أن تتمثَّل في أبهى حللها مع شعر إبراهيم الأسكوبي، (1848 – 1913 )،

وهو شاعر من المدينة المنورة ولد وتوفي فيها وقام برحلات كثيرة إلى اليمن ونجد ومصر والشام والهند وتركيا؛ وقد وصل في شعره إلى معاصرة حيَّة لزمنه المعيش؛ فتناول في منظوماته عدداً من القضايا الحياتية والسياسية والفكريَّة بلغة راقية متجدِّدة وشعريَّة خطابيَّة لم تسئ خطابيتها المنبريَّة إلى جماليَّة ما تضمه جنباتها من شاعريَّة. ومن مثل هذا ما جاء في قصيدته التي يخاطب بها آل عثمان:
واللهُ أرسل طه رحمةً وهدًى
لكل ما نفعتْ أنوارُه نَشْرا
فعمّتِ الخَلْقَ نفعاً بالعلوم فمِنْ
كسّابِ دنيا أو الدنيا مع الأُخرى
فقامتِ العُرْب قبلَ الناس أجمعِهم
دنيا وديناً وشدّوا عزمَكم أَزْرا
فجدَّ جدُّهم جهداً بما شرعتْ
شرائعُ الدين حتى وَطَّدوا الأمرا
وأهلُ أُوربّةٍ والغربُ أجمعُهُ
في ظلمة الجهل تستاقونهم أَسْرى
فتحتُمو بكتاب الله أرضَهمُ
فأحجمتْ بكمُ من رجسهم طُهْرا
ثمّ اجترأُتم على الدين القويم بما
يسوؤه بِدَعاً كادتْ تُرى كفرا
فحينما انتبهتْ أعداؤكم لكمُ
مُسلَّحين يدكّون الدّنا زَأْرا
رجعتُمُ القهقرى عنهم مداهنةً
فزاد طغيانُهم من بعدها كِبْرا

وإلى اللقاء مع الحلقة السادسة “نماذج من الإرهاصات في بلاد الرَّافدين”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى