مقابلات

د. محمد حسين بزي:تعلمت من شريعتي أنّ المثقف الحقيقي رأس حربة للحق في صراعه مع الباطل

حوار الإعلامي نشوان دمّاج


محمد حسين بزي لـ”مرافئ لا”:
• قصتي مع شريعتي بدأت في الـ15 من عمري عندما صدار أحد “رجال الدين” كتاباً له مني
• تعلمت من شريعتي أنّ المثقف الحقيقي رأس حربة للحق في صراعه مع الباطل
• للمقدّس سنامان لا يلتقيان: مصلحي و فعلي

  • نهوض بوعي القارئ
  • ما المهمة التي أخذتموها على عاتقكم في تأسيس دار الأمير؟ وهل كان أداؤها بنفس المستوى الذي طمحتم إليه؟
    دار الأمير تأسست في بيروت عام 1992م. كمؤسسة ثقافية للتأليف والترجمة والنشر، وأخذت على عاتقها بإمكانياتها المتاحة النهوض بالقارئ العربي لمستوى الوعي الحضاري لأمته وذلك من خلال ما تنشره أو تترجمه من كتب ودراسات؛ على قاعدة التنوير و التحرير .. تنوير العقل بأدوات معرفية أصيلة، وتحريره من الموروثات الاجتماعية والثقافية والدينية الدخيلة التي ساهمت بركوده وخموده.
  • رد على الحقد الصهيوني
  • في عدوان تموز 2006، كان لدار الأمير نصيبها الوافر من الغارات الصهيونية… برأيكم لماذا؟
    نعم يا سيدي، أردوا تدمير الثقافة الرافدة، أو المؤسِسة للعزم والبصيرة والمقاومة والانتصار.. فكان نصيبنا سبعة عشر غارة جوية مباشرة عدا القصف الصاروخي من البوارج الصهيونية في عرض البحر، وهذا موثق بتقرير رسمي لوكالة رويترز.. لكنهم خابوا، دمروا الحجر وأحرقوا الكتب، ولم ينالوا من الإرادة المؤسَسة على الكرامة العزّة والوعي قيد أنملة.. فدار الأمير وخلال أسابيع قليلة عادت بعزيمة أكبر، وانطلقت كطائر الفنيق، حبرها يحرق نارهم، ونورها يشرق بكتاب الوعد الصادق “يوميات الحرب السادسة” الذي ألفته خلال الحرب، وصدر بعد نهاية عدوان تموز بأسبوعين في بيروت والقاهرة، الأمر الذي فاجئ القريب والبعيد.. المادة الأولى للكتاب كانت 5142 صفحة، لكنّني حرّرتها بـ 816 صفحة من القطع الكبير، محتوياً على وثائق وصور كانت تنشر للمرة الأولى، ويعد الكتاب أهم وثيقة تاريخية عن يوميات وتفاصيل الحرب وبعض أسرارها، لأنّه كان من أرض الميدان مباشرة وقد ترجمت أجزاء منه إلى الإنكليزية و الفرنسية والإسبانية و الفارسية و التركية و الإيطالية وأصبح مرجعاً للباحثين والمهتمين بتاريخ الصراع العربي الصهيوني.. وهكذا ردّت دار الأمير على غاراتهم وحقدهم وهمجيتهم.
  • قصتي مع شريعتي
  • اهتمامك بموروث المفكر الاستراتيجي علي شريعتي والعكوف على ترجمة وتحقيق ونشر مؤلفاته، التي كان آخرها “هبوط في الصحراء”… لماذا شريعتي بالذات؟ وما الذي ينبغي أن ينجذب إليه القارئ العربي لدى هذا المفكر؟
    أيضاً تأخذني لمجازفة ثانية في الإجابة على هذا السؤال، وحتى أجيب بشكل وافٍ أتمنى أن تمحني قليلاً من الوقت لأسرد لك من البداية مع الاختصار الذي لا يخل بالإجابة، فأقول وأمري إلى الله فيما أقول، يا سيدي بدأت قصتي مع شريعتي عندما صادر أحد “رجال الدين” كتابي وأنا في الخامسة عشرة من عمري، وهي كالتالي:
    يعزُّ على ذاكرتي المهترئة أن تنسى ذلك اليوم من سنة 1986م. عندما وزّعت (المستشارية الثقافية الإيرانية) في بيروت مطبوعة لعلي شريعتي عنوانها “عليّ رسالة وحدة وعدالة” صادرة عن حسينية الإرشاد في طهران، لا أذكر أنّي قرأتها أو حتى تصفحتها؛ فقط حملتها إلى البيت وألقيتها كما ألقى موسى الصحف، ولم تقع عيني عليها إلّا حينما زارنا شيخنا.
    كنَّا ثلاثة؛ أنا وشيخنا وأحد أقاربي، وما أن جال الشيخ بنظره فناء غرفة الجلوس ووقعت عينه على مطبوعة شريعتي حتى انتفض المجلس وانتبهنا إلى جليس رابع أرعب الشيخ وهزّه هزًا وأسال لعاب حنقه وألمع بريق دهشتي، وحُوّلت الأنظار إلى تلك النسخة.. إلى علي شريعتي.
    وكنتُ إلى زمنٍ قريبٍ أرى عثراتي من نفسي.. أعلمها وأعدّها عداً، أحاذر أن تفصح عني؛ وأحذر أن أتعمد سترها؛ ولم يجل بخاطري يوماً أن أزن ثبات نفسي بموازين هناتها، وأن أعي وجود أناي بفراسة زلاتها.. وهنا، صاح الشيخ: ماذا يفعل عليّ (شريعتي) بـ عليّ ؟
    قال قريبي: إنّما هي نسخة محمد يا مولانا..
    قلتُ: إنّه عليّ أمير المؤمنين بقلم علي شريعتي، فما موجب غضبك؟
    صوَّب إليَّ الشيخ نظرة لا يفهمها إلّا من كانت نفسه حفنة ريح في فوهة خريف؛ وأردف علي شريعتي رجل ضلّ فأضلّ، فإن كنت محباً للإمام عليّ فأنا أكفيك مؤنة ما كتب عنه، وأدرأ عنك رزايا هذا المُضلّ يا ولدي.
    بقدرة قادر تأبط الشيخ كتابي ومضى ملقيًا السلام وهو يمشي إلى الباب، دون أن يشرب الشاي المُعدّ على شرفه؛ وأنا المصاب بالذهول، لكنّني بدأت أفكر وأتفكّر.. وقايستُ ما جرى من انتزاعٍ لكتابي الذي لم أقرأه بعبارات سمعتها في مجلس أحد العلماء، تتحدّث عن تيارات متزمتة وأخرى متنوّرة، ولم أكن أدرك كنه ما أسمع حينها، ولكنّه بانتزاعه لكتابي وضعني على طريق آخر يتّصف بالتحدّي والشهادة على الذات، ومُذّاك بدأت أمسك بطرف خيط جميل، حيث بَوْصَلَتْ عمليةُ الانتزاع تلك وجهةَ الطريق وأرشدتني إلى نقطة البداية، فلله الحمد، وللشيخ وافر الشكر.. وهنا، قلت وأنا الموزّع بين عليّ وشريعته فينا وبين عليّ شريعتي وكتابه علينا؛ ودون أن أصغي لتواليف اللغة بينها أو أجراس البلاغة وأوجه الكناية فأنا الآن أمام اختبار آخر عنوانه: اِقرأ باسم الشيخ.
    بعد أيام من مصادرة كتابي قمت بزيارة لصديق، رويت له ما جرى مع (رجل الدين)، فاستغرب وتعجب، وبادرني من فَوْره بنسخة من الكتاب (المُصادر) على سبيل الإعارة وهو يقول غامزاً بتعجّب: “وبما أنّ شريعتي ضال ومنحرف خذ واقرأ له هذا الكتاب أيضًا”، فكان كتاب “الشهادة”، ثم استطرد، إنّ الذي قام بتعريبه ونشره هو الإمام السيّد موسى الصدر عام 1976م. وزوّدني بنص الكلمة التي ألقاها الإمام الصدر في بيروت في أربعينية شريعتي عام 1977م.، ودّعتُ صديقي بسرعة لأبدأ رحلة ينبوع من غديرين؛ غدير مع علي (ع) وآخر مع الحسين (ع)، وكان الربّان: المُعَلِّم.. علي شريعتي.
    شيئًا فشيئًا بدأت أتوغّل في ثنايا شبكة معرفية تؤسّس لوعيٍ متجدّد، ومن ثمَ بدأت أفهم وأتفهم لماذا كانت المعلّبات الاتهامية جاهزة وحاضرة، وهي غبّ الطلب، وبدأت أستشعر وأحسّ بأصابع السلطوي المستبد الذي كان يقف خلف تلك التعليبات، وكان قد صدر في بيروت كتاب “النباهة والاستحمار”، الذي أشعل في نفسي ناراً لم تخبُ حتى كتابة هذه السطور، لقد شدّني عنوان الكتاب فالنباهة تقابل الاستحمار، ومَن لم يكن نبيهًا واعياً متيقظاً فهو من الحمير أو المستحمَرين، الذين يستغلّهم أصحاب السلطة والمال ووعاظ السلاطين (فرعون، قارون، بلعم بن باعوراء)، فالاستحمار هو أن نعمل شيئاً ما بالقول أو الفعل وبصرف النظر عن قيمته ثم نترك القضية الأهم!! قضية إنسانية الإنسان وحقوقه وكرامته وحريته المشروعة وعقله.. إلى هنا أصبح جلياً وساطعاً عندي كيف تُصادر العقول وتحنَّط بقالب “المقدّس المصلحي”، ولا يخفى عليكم أنّ للمقدّس سنامَيْن؛ سنام “مصلحي” وسنام “فعلي” وهما متقابلان لا يجتمعان ولا يلتقيان لأنّهما يسيران بشكل متوازٍ. وصالت الأيام ثم جالت، ثم حالَت ودخلتُ عالم النشر من خلال قصة لا يتسع المجال لسردها الآن لا تقل استفزازًا عن قصتي مع شريعتي لأجد نفسي أمام وعد خفيّ وجميل، وهو أن أنشر مؤلفات الدكتور شريعتي وأعمل على تعريب ما أمكن منها، بهدف إخراجها للقارئ العربي بحلّة جديدة، وهنا، وجدت نفسي وجهاً لوجه أمام كلمة قالها شريعتي في وصيّته: “آه من قلّة الإمكانات وكثرة المشاغل”، ولكن ولله الحمد أنجزنا حتى الآن 31 كتاباً ترجمة وتحقيقاً ونشراً.. بالإضافة إلى كتابين في طور الصدور هما: “نحن و إقبال” و “مع أعزائنا المخاطبين”.
    أمّا لماذا شريعتي؟ ببساطة، لأنّه لم يضحِ بالحقيقة من أجل المصلحة، رغم النفي والسجن الانفرادي لشهور وسنوات مع شتى أنواع التعذيب.. شريعتي الذي عرضت عليه الدنيا وما فيها مقابل جملة واحدة يمدح فيها شاه إيران، فقال كلمته المشهورة: “أأنا أمتدح شخصاً هو أحقر من أن أشتمه..؟!!” فكيف لا تنجذب لهذا مفكر صادق مهموم بقضايا أمته رغم أنّه أحياناً قد تختلف معه في بعض رؤاه، لكن صدقه إخلاصه يشفعان حتى تتجاوز.
  • تعلمت منه الكثير
    -ما الأثر الذي تركه علي شريعتي في محمد حسين بزي على وجه الخصوص؟
    هو بالأحرى علمني، وأهم ما تعلمته من شريعتي هو الثبات والتحدي لآخر نفس في مقارعة الظلم، أينما كان، من شرق الدنيا إلى غربها.. تعلمت من شريعتي أنّ المثقف الحقيقي يكون رأس حربة للحق في صراعه مع الباطل، ولا يجلس في برج عاجيٍ للتنظير على غيره. وتعلمت منه أنّ الغربة تخلق المعرفة التي تزيدني قوة كل يوم، وكلّما ازدادت قوتي، ازداد وعيي لذاتي وللعالم. وعلمني أنّ وعيي بالطبيعة يحرّرني من أسر الطبيعة، وكيف أخرج حريتي من مخالبها من خلال وعيي بالتاريخ، وعلمني أن أنتزع كلّ ألوانه وتصاميمه من جوهري لأراه وأعرفه بشكل محايد إلّا عن الحق.. وعلمني أنّ العرفانُ والدين يحرّراني من نفسي التي أصبحتُ حاكماً عليها لأنّني أصبحت على قيد العشق.. وأقصى ما علمني شريعتي كان فلسفة أنين علي (ع) في آبار نخيل المدينة وحيداً .. هذا الأنين الذي لا زال يتردّد مع كل حرف من حروف القرآن، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

الجزء الثاني من مقابلة د.محمد حسين بزي مع صحيفة لاء اليمنية العدد (556) الثلاثاء 17/11/2020 حوار الإعلامي نشوان دمّاج

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى