أدب وفن

أسطورة الغصن الذهبي ملهم الشعراء(الجزء الثاني)

 أدونيس و عشتاروت في حضارات الشرق وأديانه

الدكتور محمد حسين بزي

يسترسل “جيمس فريزر” في كتابه “الغصن الذهبي” معتبرًا أنّ مشهد التغيّرات الكبرى التي تطرأ كلّ سنة على وجه الأرض تترك أثرًا قويًا في أذهان الناس في كلّ عصر،  وبعثهم إلى التأمّل في أسباب هذه التحوّلات. وقد ظنّ الناس في إحدى فترات التطوّر أنّ الوسائل لتجنّب المصائب هي في أيديهم، وأنّهم يستطيعون أن يعجِّلوا في سير الفصول أو يبطئوا منه بفن السّحر. ولذا أقاموا بعض المراسيم وقرأوا الرقى والتعاويذ.

وعلى مرّ الزمان تقدّمت المعرفة وبدّدت كثيرًا من الأحلام؛ فأقتنع من البشر (بعضهم) والذين كانوا أميل إلى التفكير بأنّ تعاقب الصيف والشتاء والربيع والخريف، لم يكن نتيجة مراسيمهم السحرية، بل إنّ أسبابًا أعمق منها، وقوة أشد بطشًا كانت دائبة على العمل وراء مشاهد الطبيعة المتغيرة. فأخذوا يتصوّرون أنّ نمو الزرع وموته، وولادة المخلوقات الحيّة وموتها، إنّما هي نتيجة لازدياد قوة كائنات إلهية أو نقصانها، وأنّ هذه الكائنات – آلهة وإلهات– تولد وتموت، تتزوج وتلد الأولاد، طبق حياة الإنسان تمامًا.

وهكذا، فإنّ نظرية السّحر القديمة التي تعلل الفصول كانت احتلت مكانها، كما أضيفت إليها نظرية دينية.

ومن أشد التغيّرات ظهورًا ممّا تأتي به الفصول في المنطقة المعتدلة هي تلك التي تطرأ على النبات. وقد كانت شعوب مصر وغربي آسيا تمثل موت الحياة وبعثها السنويين، لا سيما حياة النبات تحت أسماء “أوزيريس” و”تموز” و”أدونيس” و”أتيس”، فشبَّهوا النبات بإله يموت كلّ سنة ثم يقوم بين الأموات.

وموضوع هذا البحث هو موت هذا الإله وبعثه كما افترضه الشرقيون – وهو إله ذو أسماء كثيرة ولكنّه جوهريًا واحد. وسنبدأ الآن بالإله “تموز” أو “أدونيس”.

كان يعبد “أدونيس” الأقوام السّاميّة في وادي الرافدين وسوريا، ثم أخذ الإغريق عنهم عبادته حوالي القرن السابع قبل الميلاد، وكان اسم الإله الحقيقي “تموز”، وما التسمية “أدونيس” إلّا الكلمة السّاميّة ومعناها “السيد” وهو لقب احترام كان يطلقه عليه عبّاده. وفي النص العبري لكتاب العهد القديم كثيرًا ما يطلق هذا الاسم على “يهوه” بشكل “أدوناي”، ولعلّ أصلها أدوني أي “سيدي”. غير أنّ الإغريق على ما يبدو قد أساؤوا الفهم؛ فحوّلوا لقب الاحترام هذا إلى اسم علم.

وهناك أسباب تحدو إلى الظن بأنّ عبادته بدأت بين جنس يختلف عن السّاميين دمًا ولغة، وهم السومريون الذين قطنوا في فجر التاريخ البطاح المترامية في رأس الخليج العربي وأوجدوا هناك حضارة دعيت فيما بعد الحضارة البابلية. ويظهر أنّ “تموز” كان من أقدم آلهتهم، ويتألّف اسمه من عبارة سومرية معناها “ابن الحق”. أو بشكل أكمل: “الإبن الحق للمياه العميقة”.

ويظهر “تموز” في آداب بابل الدينية كزوج أو محب شاب لـ “عشتاروت” الإلهة الأم الكبرى التي كانت تتجسّم فيها قوى التناسل في الطبيعة.

في الأساطير، الناس كانوا يعتقدون أنّ “تموز” يموت كلّ سنة منتقلًا من أرض المسرّات إلى العالم المظلم تحت الأرض، وأنّ قرينته الإلهيّة ترحل كلّ سنة في البحث عنه “إلى البلاد التي لا عودة منها إلى الظلام، حيث التراب مكوّم على الأبواب”. وفي أثناء غيبتها تنقطع عاطفة الحبّ عن الشبوب في الصدور فينسى الإنسان والحيوان على السواء تكثير جنسه، ويهدّد الفناء الحياة بأجمعها.

ولهذا كان الإله العظيم “أيا” يبعث رسولًا لينقذها. غير أنّ إلهة أقطار الجحيم “آلاتو” أو “أرش كيغال” لا ترضى إلّا مكرهة بأن تسمح لـ “عشتاروت” بأن تضمخ نفسها “بماء الحياة” وتعود إلى الأرض العليا، ربّما مع حبيبها “تموز”، لكي تنتعش الطبيعة بعودتهما من جديد.

في مرآة الأساطير الإغريقية يظهر هذا الإله الشرقي في شكل شاب جميل أولعت “عشتاروت” “أفروديتي” به حبًا. ولما كان طفلًا خبأته الإلهة في صندوق وضعته في عهدة “برسيفوني” إلهة العالم السفلي. بيد أنّ “برسيفوني” عندما فتحت الصندوق ورأت جمال الطفل رفضت أن تعيده إلى “أفروديتي”. مع أنّ إلهة الحبّ نزلت بنفسها إلى الجحيم لتفدي حبيبها من سلطان القبر. ولم يحسم النزاع بين إلهة الحبّ وإلهة الموت إلّا “زفس” إذ حكم بأن يبقى “أدونيس” مع “برسيفوني” تحت الأرض شطرًا من السنة، ومع “أفروديتي” في العالم العلوي شطرًا آخر. وأخيرًا قتل خنزير بري الشاب الجميل وهو في الصيد، أو صرعه “آريس”لغيرته إذ تنكّر في شكل خنزير لكي يستطيع أن يودي بغريمه. وما أشد ما بكت “أفروديتي” حبيبها المقتول.

ففي هذا الشكل من الأسطورة لا ريب أنّ النزاع بين “أفروديتي” و “برسيفوني” من أجل “أدونيس” إن هو إلّا الكفاح بين “عشتاروت” و “الآتو” في أرض الموتى، في حين أنّ قرار “زفس” الحاكم على “أدونيس” بالقضاء شطرًا من السنة تحت الأرض وشطرًا فوقها، ما هو إلّا شكل آخر عبّر الإغريق به عن احتجاب “أدونيس” وعودته إلى الظهور مرّة ثانية.

استوطنت أسطورة “أدونيس” بلدتين في غربي آسيا، كانتا تحتفلان بمراسيمه بحفاوة ووقار، وهما “بيبلوس” على ساحل سوريا و”بافوس” في قبرص. وكانت كلتاهما مقرًا عظيمًا لعبادة “أفروديتي”، أو بالأحرى مرادفتها السّاميّة “عشتاروت”.

ويظهر أنّ ملوكًا قد حكموا مدينة “بيبلوس” وأوّل الملوك  اسمه “زيكار بعل”، عاش قبل الملك “سليمان” بحوالي قرن. واسمه “يهوملك” بن “يهاربعل” بن “أدوم ملك” أو “يورى ملك” قدّم للآلهة مدخلًا ذا أعمدة محفورة وموشاة بالذهب وهيكلًا من البرونز، وكان يعبد الآلهة باسم “بعلة جبيل” أي “سيدة جبيل”.

وتدل أسماء هؤلاء الملوك على أنّهم ادعوا النسب إلى إلههم بعل أو “مولوخ” وما “مولوخ” إلّا تحريف كلمة “ملك”. و”بعل” هذا  هو لا شك “ملكارث” أي “ملك المدينة” كما يدل على ذلك اسمه، وهو الإله العظيم الذي سمّاه الإغريق “هرقل”.

ولعل ملوك جبيل اتخذوا على نفس النمط لقب “أدونيس”، فما “أدونيس” إلّا “الأدون” أو السيّد الإلهي للمدينة. ويظهر أنّ بعض ملوك “أورشليم” الكنعانيين القدماء لعبوا دور “أدونيس” في أثناء حياتهم إذ صحّ الاستنتاج من أسمائهم، مثل “أدوني باصاق” و”أدوني صاداق” وهما لقبان إلهيّان لا بشريان. فـ “أدوني صاداق” معناها “سيد البر”، ولهذا فهي مرادفة للقب الملك “سالم” الغريب الذكر و”كاهن الله الأعلى” (كما تسميه التوراة) ملكيصاداق (سيد البر)، الذي يلوح أنّه لم يكن إلّا أحد هؤلاء الملوك الكنعانيين لـ “أورشليم”. ولذا فإن كان ملوك “أورشليم” الكهّان في القدم يلعبون دور “أدونيس” باستمرار فلا عجب إذا رأينا نساء “أورشليم” فيما بعد يبكين على “تموز” في باب الهيكل الشمالي.

وكان المزارعون السّاميّون يعتقدون أنّ “بعل” أو إله الأرض هو منتج خصبها. فضلًا عن هذا “فإنّ ما للإله من قوة بعث وإحياء لم تقتصر على النباتات في الطبيعة فقط، بل إنّ الـ “بعل” كان يعد مبدأ التوالد الذكر، وزوج الأرض التي يقوم بتخصيبها.

وكانت ملوك “بيبلوس” تحمل الاسم القديم “كينيراس” وقد أمر “يومبي” الكبير بقطع رأس أحدهم لإسرافه في الطغيان. ويقال إنّ سلفه “كينيراس” الذي تذكره الأساطير كان قد شيّد معبدًا لـ “أفروديتي” –أي عشتاروت– في مكان في “جبل لبنان” يبعد مسير يوم عن العاصمة. ولعلّ المكان هو “أفقه” عند منبع نهر “أدونيس” (نهر إبراهيم) على منتصف الطريق بين بيبلوس (جبيل) و “بعلبك”.

ففي هذا المكان، كما تروي الأساطير، التقى “أدونيس” بـ “أفروديتي” لأوّل مرّة أو لآخر مرّة، وفي هذا المكان دفن جسده المهشم. وأنّى للخيال أن يبتّدع مشهدًا أجمل من هذا لقصّة حبّ فاجع، وموت أليم.

كان عبّاد “أدونيس” يعتقدون أنّ إلههم يموت كلّ سنة جريحًا في الجبال؛ فيتضمخ وجه الطبيعة كلّ سنة بدمه المقدس.

ونعرف من النقود والنقوش المكتشفة أنّ ملوكًا فينيقيين حكموا مدينة “كيتيوم” حتى زمن “الاسكندر الكبير”. غير أنّ أعظم مكان لعبادة “أفروديتي” و”أدونيس” كان في قبرص في بلدة “بافوس” في الطرف الجنوبي الغربي من جزيرة قبرص. وكان هيكل “أفروديتي” في “بافوس” القديمة (واسمها اليوم كوكليا) من أشهر معابد الزمن القديم وأبعدها صيتًا. ويظهر أنّ العرف في قبرص سابقًا كان يلزم جميع النساء قبل الزواج على أن يضاجعن الغرباء في هيكل الإله.. ومهما يكن الدافع لذلك؛ فإنّه لم يكن مجرّد انغماس في الفسق الشهواني بقدر ما كان واجبًا دينيًا خطيرًا يُقام به خدمة للإلهة الأم العظمى في آسيا الغربية، وكان صحن الهيكل يزدحم بالنساء اللاتي ينتظرن العمل بهذه العادة، ومنهن من كانت تنتظر هناك أعوامًا. وفي “هليوبوليس” أو “بعلبك” في لبنان، كان العرف يقضي على كلّ عذراء أن تضاجع غريبًا في هيكل “عشتاروت”، فكانت النساء أبكارًا وثيبات يبرهن على حبّهن للإلهة على هذا المنوال. غير أنّ الإمبراطور “قسطنطين” قضى على هذا العرف فيما بعد، وهدم الهيكل، وبنى كنيسة عوضًا عنه.

ولم يجد الناس مغمزًا من مهنتهن قط، بل إنّهم عدّوا تلك المهنة شرفًا رفيعًا لصاحبتها، فنظروا إلى بغايا الهيكل نظرة فيها المزيج من الدهشة والتوقير والشفقة.

وقيل إنّ “كينيراس” كان فائق الجمال، وأن “أفروديتي” نفسها وقعت في هواه. فيلوح – كما لاحظ الباحثون – أنّ “كينيراس” كان بمثابة نسخة عن ابنه “أدونيس” الذي عشقته أيضًا هذه الآلهة الملتهبة العواطف. ثم إنّ هذه القصص عن غرام “أفروديتي” باثنين من الأسرة المالكة لا يمكن فصلها عن القصّة المأثورة عن بغماليون، ملك قبرص الفينيقي، الذي زعموا أنه وقع في غرام تمثال “أفروديتي” فأخذه إلى مضجعه. وإذا حق لنا أن نحكم على “كينيراس” من اسمه، فإنّ هذا الملك السامي كان كالملك “داوود” عازفًا على القيثارة. فمن الواضح أنّ كلمة “كينيراس” مقرونة بالكلمة الإغريقية “كينيرا” أي “قيثارة” ولست أظننا مخطئين إذا قلنا إنّ موسيقى القيثارة في “بافوس” كما في “أورشاليم” لم تكن مجرّد ملهاة تزجى بها ساعات الفراغ، بل كانت قسمًا من الخدمة الدينية، إنّ الأمثال المستقاة من حياة “أليشاع” و”داوود” وقصصهما تبرهن على أنّ العبرانيين استخدموا موسيقى القيثارة. ففي حين استخدمها “أليشاع” لكي يصل في النشوة إلى ذروة النبوة، لجأ إليها “داوود” لكي ينفي الأرواح الشريرة عن “شاؤول”.

أمّا العنصر الذي لا يتغيّر في أسطورة “أدونيس” هو موته المبكر موتًا عنيفًا.

إنّ الأقاصيص تتباين بشأن نهاية “كينيراس”. فهناك من قال إنّه قتل نفسه عندما اكتشف أنّه ضاجع ابنته، وزعم آخرون أنّه غلب على أمره في مسابقة موسيقية مع “أبولو” فأمر الظافر بموته. ويبدو أنّ حياة مشاهير الرجال في الأزمنة الغابرة مطاطة جدًا، ويمكن أن تطوّل وتقصّر لمنفعة التاريخ، كما يشاء للمؤرخ ذوقه وهواه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى