تقويم نظرية ما بعد الإستعمار

الدكتور يسري عبد الغني
تقويم نظرية ما بعد الاستعمار:
يلاحظ أن نظرية ما بعد الاستعمار قد سخرت كل آلياتها الفكرية والمنهجية والمعرفية لتقويض الرؤية المركزية عند الغربيين، وذلك بإعادة النظر في كثير من الملسمات والمقولات المركزية الغربية بالمراجعة والدرس والتحليل والتقويم، وقد أعيد النظر كذلك في خطاب الاستشراق بالتحليل والتفكيك والنقد الواعي. بيد أن هذه النظرية هي خليط من المناهج والتحليلات، قائمة على الانتقاء والاصطفاء المنهجي، كما أن عينات البحث محدودة كماعند إدوارد سعيد، ولم تأت هذه النظرية بالجديد بالمقارنة مع نظريات الخطاب الاستعماري الكلاسيكي.
هذا، وقد تعرض أصحابها لانتقادات عميقة وواسعة بعضها أخلاقي وبعضها علمي، واتهموا هذه النظرية بالفشل، كما تنطوي هذه النظرية على مجموعة من التناقضات والمفارقات، وانفصام بين القول والفعل، وانفصال شاسع بين النظري والواقعي.
أن نظرية ما بعد الاستعمار نظرية تسلَّحَ بها كُتَّاب العالم الثالث بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة كتاب آسيا وأفريقيا لمجابهة التمركز الغربي، وتقويض المقولات الفكرية الأوروبية والأمريكية تقويضا وتشتيتا وتأجيلا، وذلك بآليات منهجية متداخلة : تفكيكية، وثقافية، وسياسية، وتاريخية، ومقارنة… ومن ثم، فنظرية ما بعد الاستعمار هي حركة ثقافية مضادة ومقاومة، ظهرت في مرحلة ما بعد الحداثة للوقوف في وجه التغريب، والتهميش، والتعالي، والهيمنة الغربية المغلوطة. ولم يقتصر كتاب هذه النظرية الكولونيالية الجديدة على كتاب العالم الثالث، فقد توسعت لتضم بشكل من الأشكال كتابا من المنظومة الغربية الذين ثاروا على الثقافة البيضاء، فاعتبروها ثقافة أسطورية حالمة وخيالية، مبنية على خطاب الإخضاع، والاستعلاء، والهيمنة، والاستعمار، والتمييز اللوني والعرقي والجنسي والديني والطبقي.
ناقد و مؤرخ مصري




