في الذّكرىَ المائوية ” لمعركة أنوال المجيدة” 1921- 2021 الحلقة الثالثة – 3- من رواية : “تحت ظِلال أشجَار التّين والزّيتُون”

في الذّكرىَ المائوية ” لمعركة أنوال المجيدة” 1921- 2021
الحلقة الثالثة – 3- من رواية :
“تحت ظِلال أشجَار التّين والزّيتُون”
( سيرة بطل مُجاهد شهيد معركة “أنوال” الماجدة)
بقلم : د. مُحمّد مَحمّد خطّابي
جاء في التقديم البليغ للصّفحة المُشرقة الخاصّة بمناسبة الذكرى المائوية ” لمعركة أنوال المجيدة” 1921- 2021 – الذي تفضّل ممنوناً ووافاني بها صديقنا الأبرّ الباحث الألمعيّ الدكتور علي الإدريسي- ما يلي : “كان خيالاً أن تكون يا أنوال عيداً، ولجيل القرن العشرين نصراً موعودَا، وللتاريخ أنشودة فخرٍ تعبُر الحدودَا، وللشّعوب المُستعمَرة مرجعيّة وأفقاً جديدَا، ولأهل الرّيف والشّمال إكليلَ عزّةٍ وحديثاً مَجيدَا، وللحريّة مَقصداً وعنواناً تليدَا، ولقيم العدالة انبعاثاً ومنهجاً سديدَا، وللإنسان الحرّ مَعلماً لن يضيع وعنه لن نحيد”.
بمناسبة قرب الاحتفال بالذكرى المائوية لمعكة أنوال الخالدة بقيادة الزّعيم البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي رحمه الله يطيب لي أن أقدّم لكم ولكنَّ أحبّتي الأعزّاء، صديقاتي الكريمات كلّ يوميْن مقتطفاً من روايتي “تحت ظِلال أشجَار التّين والزّيتُون” ليتسنّى قراءتها والإطّلاع عليها مشكورين وممنونين من زوّار هذه الصفحة الفيسبوكية المتواضعة الخاصّة بي سنقدّم بحول الله في سطور مقتضبة ونعرض في سرد قصصيّ مشاهدَ وأحداثاً ووقائعَ استرجاعية مستوحاة من سيرة جدّنا الأبرّ المُجاهد الأجديري الورياغلى “مُوحْ نَسِّي أحمد خطّابي الذي قيّض الله له أن يسلم الرّوح شهيداً فى معركة “أنوال” الماجدة غِرّة المعارك خلال حرب الرّيف التحرّرية الباسلة الى جانب العديد من رفقائه من المجاهدين الشهداء الآخرين الابطال الذين أعطوا النفس والنفيس، وأبلوا البلاءَ الحسَن دفاعاً عن حوزة الوطن الغالي، وذوداً عن عزّته وكرامته ووحدته وأهله وعشيرته في مقاومتهم ومجابهتهم وردّهم وصدّهم ودحرهم لأعتىَ قوّةٍ استعماريةٍ نظاميةٍ غاشمةٍ اسبانية لم تكن تغيب عنها الشمس لسنوات طويلة خلت حيث منيت في خضمّ المعارك التي خاضها المجاهدون الصّناديد الأبرار، والشهداء الشجعان الأخيار سواء في معركة أنوال الكبرى أو في أخواتها الماجدات الأخريات فى ادْهار أُوبارّان، وإغريبَن، إغزَرْ أُووشّن وسواها من مواطن النزال ومراتع الملاحم التي لا تنسى والتي خلّدها التاريخ بأحرفٍ من نور ونار.
الحلقة – 3- من – رواية
“تحت ظِلال أشجَار التّين والزّيتُون” :
كان والد (مُوح) رجلاً متديّنا، وفقيهاً جليلاً ،وكان له أسلوب خاص وجذّاب في رواية القصص و سردالحكايات ، فقد كان يدرّس القرآن الكريم والفقه،و اللغة العربية و أصول الدّين في مدرسة النشء الصّاعد التي كانت توجد بمكان يُسمّى ” تخزانت” الذي كان يُعتبر قلب قرية أجدير النابض وملتقى الطرق بها، وجرت العادة في بلاد الريف عموماً أن كلّ من كان له نصيب من التعلّم والدراسة والتحصيل تُلحق به صفة السيّد أو” السّي ” وهي صفة إطرائيّة تُستعمل للدّلالة على الاحترام والتوقير، ولهذا كان والد الفتى (مُوح) يُكنّي ب “السّي أحمد” ،وكان (مُوح) قد حفظ عن والده غيرَ قليلٍ من السّور القرآنية ،والأحاديث النبوية،والأشعار،والأمداح الدينية، والأدعية، والحِكم،والأمثال .
تذكّرالفتى كيف أنّ والده ذاتَ ليلةٍ باردة وهو يتدثّرإلى جانبه تحت اللحاف السّميك ، حكى له : سألت إحدى الذئبات ذاتَ مرّةٍ فى منتصف فصل الخريف أكبرَ الذئاب سنّاً، وأخْبرها حكمةً، وأكْثَرها مكراً، وأشدُّها دهاءً، وأفتكها خَطْباً، وأقوَاها جِسْماً، وأحدُّها أنياباً، وأثقبها نظراً،وأكثرها خِداعاً، وأفْصَحُها “عُوَاءً”، فقالت له : ما الخَطْبُ..ما الذي أراه..؟ ما هذه الأوراقُ الصُّفْر المتساقطة ، المتكاثرة،والمتناثرة على أديم الثّرىَ التي أصبحنا نراها ونجدها كزرابي مبثوثة فى كلّ مكان من الغاب..؟ فأجاب الذئبُ اللئيم الذي خبرته السنين رفيقة عُمره : هذه الأوراق إنّما هي رسائلُ أو مراسيل تنبئنا بقرْب قدُوم فصْل الشتاء القارص..حيث لا زادَ ، ولا مؤونةَ، ولا ذرعَ ولا زرعَ، فعلينا إذن أن ندّخر قدرَ المُستطاع ما أمكننا من القُوت، والفُتات ،والثريد، والقديد ،حيث سيتعذّر علينا الجَوَلاَن والصَّوَلاَن فيما بعد فى الهزيع الأخير من الليالي الحالكات ،وسيصْعُب علينا الخُرُوج إلى المَراعي، والمُروج ، والسّهول، والحقول،والجداول، والجدائل التي تكون خاليةً فى هذا الفصْل الكئيب من الأغنام، ومن المعز، وتكون الإصطبلات والزرائب وحظائر المواشي التي تغصّ بالدّيكة، والتيوس ،والمواشي، ،والدواجن، والطيور مُسيّجة ومُحْكَمَةَ الأبواب ومُغْلقة المسالك والنوافذ، ومُوصَدةَ الشبابيك والمنافذ ، مع تزايد هطول الأمطار، وتكاثر وتفاقم الأخطار…! .
لم يتذكّر الفتىَ نهاية هذه الحكاية بعد أن غالبه الكرىَ ، وصار يغطّ فى نومٍ عميق، فقد كان قد قضى ذلك اليوم فى حقول والده بمكان ب”الوطاء” يُسمّىَ ” إبيّاضن” يساعد فى الأعمال الفلاحية الضرورية اليومية لتوفير القوت اليومي للعائلة على الرّغم من صغر سنّه فى ذلك الوقت .
بعد أن تذكّر الحكاية الطريفة إيّاها التي كان قد حكاها له والده عن الذئاب علت مُحيّاه ابتسامة عريضة ،وشعر بسعادة غامرة عارمة تملأ قلبَه، وبقشعريرة منمّلة تسري على جسده ،ثمّ انتفض واقفاً،وتوجّه إلى حظيرة الحيوانات ، وأخرج البغلة من الإصطبل بعد أن أسرجها ثمّ ركبها مُتوجّهاً إلى حقول والده فى ” الوطاء”..(يتبع).




