أدب وفن

المغني …قصة قصيرة بقلم الكاتب كاظم حسّوني

المغني

قصة قصيرة

في حفل الميلاد، قبل أن تدق نواقيس الأعياد بحلول العام الجديد، كانت منتشية لإيقاع الموسيقى ولغط المحتفلين وعبق العطور والابتسامات والمرح. فلم تتبق سوى دقائق وستكمل عامها الاربعين. وبالرغم مما داخل روعها من مشاعر الأسى، إلا أن روحها لم تكبر، تشعر أنها مازالت فتية وممشوقة، لم تفقد الكثير من مرحها وزهوها وجمالها. ما أدراها؟ سنوات عبرت بغفلة، جرت كالحلم. لكنها، وكمن يفيق بغتة، حزنت. تولاها الانفعال فجأة حال رؤيتها له، إذ كان متخفيًا يراقبها من بعيد ذلك الرجل الذي لا تطيق رؤيته، وهو يحاصرها بنظراته. ضبطته يحدجها ويبقي عينيه فيها.. فوقفت غاضبة، أطلقت أنفاسًا محبوسة. حاولت أن تترك طاولتها وتغادر المكان، إلا أنها تردّدت لحظات وهي تفكر بأنها قد أعدّت نفسها باهتمام، انتظرت طويلًا لحضور هذا الاحتفال، حتى جاءت بكامل أناقتها، جلست كالملاك الى طاولتها. هكذا أحست. فهذه الليلة ليست ككل ليلة، لذا راحت تتشاغل عنه بسماع الموسيقى وأصوات المحتفلين. قبل أن يشدها ويهز أعماقها فجأة تدفق صوت المغني. صوت رخيم ساحر أبهجها إلى أقصى حدّ وخلب لبها! فباتت مأخوذة! وجسدها يرتعد برمته لنبرة الصوت الذي احتوى كيانها بلهيب محرق. قلّبت أفكارها بعجالة. إنه شيء غريب لم تفهمه هذا الذي غدا يسري في أعماقها الآن حتى أنساها مضايقة الرجل المقرف الذي كان يتعقّبها فما عادت تراه.. امرأة الأربعين أحست لأوّل مرّة بصبا روحها التي مازالت تنشد الانطلاق والتمرد. وبدت عاجزة ان تصدق انها عاشقة حين فاضت السعادة عن حدود جسدها، وتصاعد الدم في قلبها مع عذوبة صوت المغني.. كانت مستثارة كأنها لم تذق أبدًا طعم الحب، اذ لم يحدث أن شبّت النيران في قلبها على هذا النحو. لم يسبق أن خفقت روحها هكذا بشغف للغناء وكأنها الآن، والآن فقط، قد عثرت على حلمها، فراحت تحدق في كل الوجوه بعاطفة غريبة، بل أحسّت أن الساعات كلها حبيبة. كل السنوات والدقائق. ولفرط تأثرها وتعاظم رغبتها شدّت قامتها المديدة، اندفعت عند الفاصل صوب المغني الذي حجبت رؤيته عنها كثرة المعجبين، لكنها شقت طريقها إليه بخطوات متعثرة. وما إن اقتربت منه حتى كادت تفلت منها صرخة عالية حين رأت فيه ذات الرجل الذي كان يلاحقها بنظراته وهي تفرّ منه وتتجنبه! وبصعوبة تداركت نوبة بكاء قد ألمت بها، وظلت واقفة مبهورة للحظات، ثم دنت منه، طوقت عنقه، غمرته بذراعيها بشوق عارم وهي تتملاه بحب من دون أن تلتفت الى جمهرة الناس التي أحاطت بهما، وهي تصيح بكل ما تراكم في قلبها من توق بصوت مرتعش عميق ، مرددة :
– أحبك يا رجل.. أحبك بعمق..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى