في الذّكرىَ المائوية”لمعركة أنوال المجيدة” 1921-2021 الحلقة –العشرون- من – رواية “تحت ظِلال أشجَار التّين والزّيتُون”

في الذّكرىَ المائوية”لمعركة أنوال المجيدة” 1921-2021 الحلقة –العشرون- من – رواية “تحت ظِلال أشجَار التّين والزّيتُون”( سيرة بطل مُجاهد شهيد معركة “أنوال” الماجدة)-20-:
“..كانت الأراضي الفلاحية العائدة لعائلة (مُوح) تقع غير بعيدةٍ عن مقبرة المجاهدين (سيدي إمحند أوعلي)،في مكان يسمّىَ ” إبيّاضن” ،وكذا في منطقة تسمّى “الوادي البالي”( أغزار أباري) ،وفى مرتفعات (أزغار)، وكان (مُوح) وأخواه أحمد وحمّوش يقضون بهذه الأراضي في بعض الأوقات نهارهم بطوله وهم يتدرّبون على أعمال الفلاحة، والزراعة ويتعلمون أساليبها التقليدية المتوارثة مع أفراد العائلة الأكبر سنّاً منهم الذين توارثوا هذه الأراضي الخصبة عن أجدادهم منذ أزمان بعيدة خلت ضاربة في القدم ،كان – كما هو الشأن مع سائر سكّان المنطقة – لزاماً عليهم تعلّم مهنة الفلاحة والزراعية الضرورية فقد كانت الوسيلة الوحيدة لضمان القوت اليومي لعوائلهم ، وكان هناك توافق وتراضٍ وانسجام تام فيما بين مالكي الأراضي في هذه المناطق برمتها ، حيث كانت تشيع الثقة التامّة فيما بينهم ، ولا يتطاول أو يعتدي أيٌّ منهم على الآخر بأيّ شكلٍ من الأشكال ، وكان من عادتهم عندما ينصرم النهار، ويأتي المساء قبيل غروب الشمس يضع كل منهم الأدوات التي يستعملونها في الفلاحة تحت أشجار التين أو الزيتون، وتمكث هذه الأدوات ظاهرة للعيان دون إخفائها، وتظلّ هناك موضوعة حتى صبيحة اليوم التالي حيث يذهب كلّ منهم عند قدومه في اليوم التالي لتناولها من جديد للعمل بها ، وكانت هذه الأدوات تتألف من مجارف كبيرة وصغيرة ،ومعاول،وفؤوس صغيرة وكبيرة ، وشواقير، وأدوات المشط الحديدية والخشبية ومن مقارض التقليم،والمناجل، والمحارث الخشبية، والحبال ، وسواها من الأدوات التقليدية التي كانت تستعمل في الفلاحة والزراعة على حد سواء.
كانت أراضي (مُوح) في منطقة ( إبيّاضن) قريبة جدّاً من أراضي أفراد آخرين من عائلته،كانت الفدادين الخضراء تغصّ بمختلف أصناف المنتوجات الفلاحية والزراعية من حبوب، وخضروات، وفواكه موسمية على إختلافها من بطيخ أحمر(الدلاح) وشمّام ،وعنب، وكومثرى (إجاص) وتفاح ،ورمّان،ولوز، فضلاً عن انتشار أشجار التين والزيتون بكثرة في كلّ مكان،بالإضافة إلى البُر،ّ والشعير، والذرة ،والفلفل الأخضر، والباذنجان، والسبانخ، والسّلق، والنعناع ، والبازلاء، والفول، ،والخسّ(عشبة الحكماء) والقرنبيط، والكرنب (الملفوف) ، والقثاء، والفاصوليا الخضراء، والفلفل، ،والبطاطس، والبصل ،والبطاطا الحلوة، والثوم ، والبرسيم (فارفرا) والنفل، والفصّ لإطعام ماشيتهم وسواها من خيرات الله الواسعة ، وأمّا أشجارالتين الشوكي ذات الثمرات اللذيذة الشهيّة، وشجيرات الصبّار(أكفير) التي كانوا يستخرجون منها خيوطاً متينة فغالباً ما كانت تغرس في مناطق جبلية وعرة، أو بالقرب من مقارّ سكناهم ، كانت البهائم من بغال، وحمير، وفى بعض الحالات الخيول تستعمل لنقل المنتوجات الفلاحية والزراعية الى منازل سكناهم أو إلى الأسواق الأسبوعية لبيعها لاقتناء مستلزمات أخرى ضرورية للعيش من زيت، وسكر،وشاي، وصابون ، وغاز،وأواني منزلية وسواها من المتطلبات.
كان الفلاحون يتعاونون فيما بينهم في حفر الآبار،وبناء الدور ،وإقامة الأكواخ، ونقش الأراضي وحرثها،أو زراعتها، أو حصادها، كما يتعاونون في جني الثمار، وقطف الفواكه، والمحاصيل التي كانت توضع في سلالٍ كبيرة مصنوعة من قصب لها يدان سميكان من الجانبين ليسهل حملها .
وكانت طريقة الريّ أوالسّقي عندهم تتمّ في توافق تام فيما بين الفلاحين حيث كان عندهم نظام خاص للسقيي يُسمّى ( النُّوبَثْ) أيّ النوبة أو الدّور، حيث يتم سقي الأراضي من السّواقي المنسابة التي كانت تنتشر بين الأراضي بطريقة هندسية عجيبة وكانت المياه بها غزيرة تجري فيها بسرعة هائلة، وعندما ينتهون من سقى الفدادين والقطع الأرضية لجيرانهم كان أصحاب الأرض يهرولون إلى مكان تقاطع مجرى المياه الذي يُسمّى عندهم ب ( سالطو) لتحويل اتجاه المياه وسيرها إلى قطع أرضية أخرى، وفدادين جديدة ،وهكذا دواليك حتى يتمّ سقي جميع الأراضي المزروعة في تنسيق بديع فيما بينهم .
كان من عادتهم استقدام مواشيهم معهم للرّعي حيث كانت وكأنّها تساهم في مساعدتهم على التخلّص من الأعشاب الضارة التي تنبت بين بالمزروعات باقتلاعها وقضمها ، والتي تُضعف أو تؤخّر نموّها ، واذا كان الجوّ حاراً والشمس حارقة كانوا يستلقون للرّاحة برهةً أو لأكل ما تيسّر ممّا استقدموه معهم من طبيخ، أو ربما اكتفوا بتناول حبّات بالبصل، أوالتين الطريّ إذا كان متوفّراً أو المُجفّف، أوالفلفل الأخضر ،أو الذرة مع شقفٍ من خبز الشّعير الداكن، أو ما كان متوفراً حسب تعاقب المواسم وتواترها،ثم يحتسون أكؤساً من الشاي الأخرالمنعنع الذي كان أثيراً عندهم، وكانت مواشيهم ترتاح هي الأخرى الى جانببهم تحت الظلال الوارفة اتقاءً للحرارة المفرطة التي غالباً ما تكون حامية الوطيس في فصل الصّيف على وجه الخصوص، وكانت الأباريق الفخارية ،والأواني الطينية التي تحتفظ ببرودة المياه معلقة على أغصان الأشجار، ولم تكن تسمع حولهم سوى أصوات خرير مياه السّواقي الجارية وصفير زقزة العصافير وشدوها الرّخيم في كلّ حين ..” .(يتبع).





