أدب وفن

تونس.. أعلى من النسيان متابعة لملتقى “نزهات الحكي في أعمال حفيظة القاسمي السرديّة”

اِلتأم بمدينة طبرقة بالشمّال الغربيّ التونسيّ وتحت إشراف المندوبيّة الجهويّة للثقافة بولاية جندوبة ملتقى “نزهات الحكي في أعمال حفيظة القاسمي السرديّة” أيّام 13 و14 و15 جانفي 2023، وقد نظّم الملتقى مجموعة اللّقاء الأدبيّ الّتي ترأسها وتنسّق أعمالها الكاتبة نورةعبيد، بالشراكة مع المكتبة العموميّة بطبرقة وجمعية أحبّاء دور الثّقافة. يومان لتدارس المنجز الإبداعي ويوم لتلاميذ الباكالوريا آداب ،حيث قدّم الأستاذ عمّار بلخضرة محاضرة في الأدب القديم بعنوان” المعقول واللامعقول في كتابيْ التّوحيدي.

نزهات الحكي” احتفاء بفقيدة الأدب التونسيّ والمغاربيّ والعربيّ، الروائيّة والقصّاصة حفيظة القاسمي الّتي أثرت المكتبة التونسيّة والعربيّة بمنجز سرديّ قصصيّ وروائيّ يتجاوز خمسة عشر عنوانا. مدوّنة سرديّة تزخر بالتنوّع والجرأة انحازت فيها الكاتبة الّتي فارقتنا في الثاني من جويلية 2022 إلى التجريب والمغامرة إذ كتبت القصّة والرواية و”الرواقصّة” جنسا أدبيّا ابتدعته الكاتبة، وتعاقدت عليه مع الناشر والقارئ والرواية النهريّة والرواية التاريخيّة، كما أقدمت على نشر مجموعة قصصيّة بالتشارك مع زوجها المنجي السّعيدي

منجز سرديّ أساسه القصّ ينهل من تقاطعات الأسطورة والخرافة والصوفيّة والمحكيّ الشعبيّ في لغة رقراقة كماء لا ينضب، رائيّة في تكثيف شعريّ ووعي وجوديّ بفناء الإنسان، فحاربت النسيان جاعلة من المرأة أيقونة وجود بها يزهر الوطن ويتجدّد. لحفيظة القاسمي – رحمة الله عليها- سيرة ومسيرة زاخرة بالعطاء. فهي أستاذة لغة عربيّة ربّت النشْء على حبّ الكلمة وصدقها، فدرّبتهم على الحياة وهي تدلّهم على تذوّق نصوص من الأدب التونسيّ والعربيّ، صاقلة لغتهم، واهبة أساليبهم السؤدد والرّشاد، وقد أخذت الكتاب بقوّة ليأخذوا عنها الكتاب بقوّة

بين الكتاب والكتابة شبّت الكاتبة على تفجير حبرها السّرديّ. وكأنّها كانت تحدس الرّحيل الّذي أتى على الجسد الفاني بسبب إصابتها بفيروس كورونا. فآكتوى الأهل والأصحاب والأحباء ومتابعوها والسّاحة الثقافيّة التونسيّة بسكوت عينها المفاجئ. وأكاد أجزم أنّ لا أحد صدّق رحيلها- ولا اعتراض على حكم الله- المفاجئ

من هنا سعت مجموعة اللّقاء الأدبيّ إلى إحياء الفقيدة بإحياء نصّها، ونقد منشئها السّرديّ، وإضاءة عتمة المكان بروحها النورانيّة ونفسها الخرافيّ الأسطوريّ الصّوفيّ. وما من طريقة لتكريم مبدع سوى قراءته وتقديم منجزه للمتقبّل وجعل خطابه الأدبيّ خطابا تداوليّا بالكشف عن وظائف اللّغة الجماليّة وأبعادها المرجعيّة بالوقوف عند دعائم التخييل ودواعيه. هي نزهة حكي بادرت بها مجموعة اللّقاء الأدبيّ واستجابت لها المندوبيّة الجهويّة للثقافة بجندوبة وعلى رأسها السيّد أحمد الشوباني الّذي افتتح أعمال الملتقى، وأمينة المكتبة العموميّة بطبرقة السّيدة آمال الغريبي الّتي ألقت كلمة التّرحيب، مساء يوم الجمعة 13مارس 2023.

وقد أقيم ببهو المكتبة العموميّة بطبرقة معرض تضمّن المنجز الإبداعيّ لحفيظة القاسمي، ومخطوطات بخطّها، وأغلفة كتبها في نسخ أولى، وقصاصات لأهمّ المقالات الّتي تابعت مسيرتها الأدبيّة، لتنطلق المحاضرات يشهادة عن الرّاحلة قدّمها زوجها القصّاص المنجي السّعيدي فعبّر وأثّر وأسال دمع الحاضرين. ثمّ تناول الكاتب والباحث والمترجم عبد المجيد يوسف “المسألة الأجناسيّة في حمامة البرج ودوّامة المصير وصخرة الرّقيم” مدوّنات من الرواقصّة خلص فيها الباحث إلى أنّ كتابة حفيظة القاسمي السرديّة تنهل من المحكيّ الشعبيّ والخرافة تقوم على تكثيف لغويّ ورمزيّ يعسر تتبّع الانتظام السّرديّ فيها.

لتقف الروائيّة نبيهة العيسي – المتحصّلة على جائزة كتارا للرواية العربيّة 2022- على “غزالة حكاية الحريّة المسروقة في رواية غزالة” حريّة امرأة وحريّة وطن. واشتغلت القاصّة جميلة الشّريف على النّفس الصّوفيّ في رواية “رشّوا النّجم على ثوبي” طائر بلا أجنحة يحلّق في السّموّ العالي نفس صوفيّ يخاطب الخالق في مرئيات سابحة في الدّار الآخرة بجسد من عقيق الرّوح يبشّر بخلودها المنثور في أثواب المحبّة

هذا وقد انطلقت ندوات اليوم الثاني 14 جانفي 2023 بشهادة الأستاذ شاكر الزواوي عن مصاحبته للفقيدة في درب الدّراسة والتّدريس، إذ تقاسما مقاعد الدراسة الابتدائيّة والثانويّة والجامعيّة ومنابر التّدريس، شهادة استحسنها الحضور الكريم لما اشتملت عليه من بعد مرجعيّ ولما وقفت عليه من شمائل الفقيدة. والأهمّ كشفت عن شغف حفيظة القاسمي – رحمها الله – المبكّر بالمطالعة والكتابة والتميّز عن أقرانها ولداتها، شهادة أكّدت ما انعقدت عليه الأديبة من إيمان بنداء الحريّة والتطوّر والتحرّر.

إيمان تأكّد بقراءة لمتفقّد العربيّة قصي المليح في رواية “غزالة” اختار لها من العناوين” دمها ومسك الوطن” قرأها على الحاضرين الباحث محمّد بن محمّد اللاني. تلتها محاضرة “لعبة السّرد بين تجلّيات الواقع وآفاق التّخييل في يبكيه الحمام” قدّمتها القاصّة الّتي خاضت تجربة الرواية الأستاذة زينب بوخريص. ثمّ محاضرة “والرّيح سجال في روايتي، والريح سجال وعام عيشه للروائيّ الأستاذ معاوية الفرجاني المتحصّل على جائزة محمّد العروسي المطويّ المغاربيّة لفنون القصّ ونقده عن مخطوطه الروائيّ “قبلة الطّفل” في دورتها الأولى ديسمبر 2022.

ثمّ قدّم الدكتور القاصّ مراد الشابي مدخلا شكلانيّا بعنوان “المتعالي الأسطوريّ في رواية أبعد من الشّرق”

تنتهي الأصبوحة الثّقافيّة. فيعقبها مساء فيه تواصلت النزهة في سرود حفيظة القاسمي؛ إذ تناولت الأستاذة الناقدة نجاة وسلاتي خوالدي العتبات في أعمال الكاتبة .فشدّت السامعين بحسن الآداء وطرافة المبحث وجدارته. كما بحثت الأستاذة الشاعرة سنية القابسي في “منزلة صخرة الرّقيم بين الأجناس الأدبيّة.وعرض عبد الرّزاق السّومريّ متفقّد العربيّة – المتحصّل على جائزة محمّد العروسي المطويّ المغاربيّة لفنون القصّ ونقده عن مخطوطه القصصيّ ” فتنة البدايات”- “المرجعيّ والمتخيّل في سرديّات حفيظة القاسمي يبكيه الحمام أنموذجا. لتنتهي النزهة النقديّة بقراءة في تقاطعات التشارك كتابة وحياة في المجموعة القصصيّة التشاركيّة بين الزوجين المنجي السّعيدي وحفيظة القاسمي “من الذّاكرة أنموذجا”.قدّمتها كاتبة المقال نورة عبيد.

المشترك اصطفاء بين هو وهي. حوار عبر الذّاكرة يقرّب ويقارب. تفاعل بين ذاتيْن اتّخذا الكلام تعبيرا عن الفكرة وامتلاء بالوجود وسدّا لأثلام الذّاكرة ودفعا للنّسيان. حفيظة القاسمي أعلى من النسيان. تنتهي النّدوات بحفل تكريم أقامه المندوب الجهويّ للثّقافة السّيد أحمد الشوباني للمبدعين والمشاركين وإعلان “نزهات الحكي في أعمال حفيظة القاسمي السرديّة” دورة تأسيسيّة لدورات تحمل اسمها

كما نادى المحاضرون من الأساتذة الأجلاّء والمبدعين والحضور الكريم من أهل الفكر والثقافة بتركيز لوحة تحمل اسمها على ساحة من ساحات المدينة أو معهد درّست به، تقديرا لجهودها ونضالها وتخليدا لذكراها.

زوج الفقيدة المنجي السعيدي أعقب اللقاء بكلمة مؤثرة جاء فيها :

 ….. واستجاب.

سألت ربي مرارا وتكرارا أن يهبَ لي لحظةً أقول فيها للشّيء كنْ فيكون ، سؤالٌ يراه البعض من ذوي الفهم القُشري والسطحي في مُنْتهى الوقاحة إزاء الخالق العظيم ، لكنّي تجرّأت وسألته رغم كلّ التخوّفات ، وكنت أنتظر ـ لعمق رغْبتي وثقتي في ربِّي  ـ أن يستجيب لي، فهو أعظم من أن يأخذَ ولا يُعطي وأن يمْنعَ ولا يمْنحَ…

كانت رغْبَتِي قويّة أن أقول لحفيظة ـ لوْ نِلْتُ مِنّة ” كنْ فيكون” ـ  أفيقي فقد ذاب قلبي من فرْط الشّوق إليك ، أفيقي أنظر إليْك ،. أفِيقي فقد فعَلت بي السِّنُون فعْلها بعْدك ، هيّا إليّ أسمعينِي عذْب بوْحك  ” إنّي قادمة إليْك”…..

كانت رغبتي مجرّد شطحات قلب مشتاق وروح أرّقها النّحِيبُ… ولكن حين تريد أنْت من السّماء نجمةً ويُريد ربّك أن يناولك القمَر ، تحصُل المعجزة ويستجيب لي الله بأكثر من لحظة رغبت أن أستعيد فيها حفيظة ، ويريد ربّي أن يهبنيي يوميْن كامليْن عاشت فيهما حفيظة في كامل تجلياتها الروحيّة والجسديّة إلى جانبي تدغدغ حسّي وروحي وتملأ بجمال أثرها عيْني وتنْثُر عبْقها منْ حوْلِي وفِي داخلِي…يوْمان استحضر فيهما جهابذة   ” اللقاء الأدبي” وأحبّاء دور الثقافة  الذين شرفونا بحضورهم في طبرقة لإحياء ذكرى أديبة عزيزة على الجميع ، استحضروا روائع إبداعات حفيظة بمداخلاتهم الراقية ، وجَدْنا أنفسَنا حينًا نستنشق رائحة الجنّة من خلال بعض النّصوص ونحطّ حينا آخر في رحاب لِينِ الطّين أصلنا الرفيع ، وحلق بنا احدهم في سموِّ المقامات واطّر آخر عمق الدّلالات ن وتكلّمت سيدة في عالم السمو وتحدثت أخرى عن التساعيات، وترنّمت أيقونة اللقاء ب”هؤلاء” واستعادت عذب الذكريات …وأضْفَت “دافئةُ الصّوْت” عبْقا على بعض الكتابات،فعشْنا بيْن دفْء صوت “زينب” وطرافة عتبات “نجاة”.

استجاب الله لي بأكثر مما رجوتُ..يومان من مرافقة الحبِيبة ، يومان من الذّوبان في عمق إشاراتها والتحليق معها في خصوصيّة سمائها… يومان من الابتسامات والضحكات والارتواء ولو كان للدّموع حضور ، لا مناص .

شكرا لكلّ الرّائعين من مجموعة  ” اللقاء الأدبي” و” أحبّاء دور الثّقافة” أسماؤكم ستظل منارة في قلبي ، وما قدّمتموه سيبقى ساكنا في ذاكرتي وذاكرة طبرقة ، 

الشكر موصول لأمينة المكتبة والفريق العامل معها ولسي أحمد المندوب الجهوي للثقافة والصّديق ولكلّ الحضور . شكرا لكم ، ألف شكر .

الزوج و الفقيدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى