تقرير عن مؤلف ‘معمارية الخطاب الشعري:الأنساق و بنيات التحول “

تقرير عن مؤلف ‘معمارية الخطاب الشعري:
الأنساق و بنيات التحول “
إبراهيم الكراوي
مؤلف ”معمارية الخطاب الشعري العربي الحديث : بنيات التحول وتمثلات الأنساق ( نحو تمثل جديد لجَماليات الخِطاب،و بَنْينَة الدَّلائل) ” مقاربة وتحليل لبنيات التحول في الخطاب الشعري الحداثي، بمختلف تمظهراتها وأبعادها؛ انطلاقا من الأقطاب الثلاثة المُؤسسة لقضية تحليل الخطاب : السيميائية، اللسانية والتداولية . ومن ثم، حاول هذا المؤلف تقديم رؤية جديدة في تحليل الظاهرة الشعرية الحداثية، انطلاقا من منهج يستند على الانفتاح و يفيد من منجز ات تحليل الخطاب .
ينقسم المؤلف إلى قسمين يتفرع كل واحد منهما إلى مجموعة من الفصول:
وقد شكل القسم النظري، مَداخل مختصرة، تعرضت لمجمل تصورات ومناهج تحليل الخطاب؛ مع تقديم رؤية جديدة كشفت الجماليات و الخصائص النوعية في تحليل الخطاب الشعري كما ظهر من خلال بنيات التحول؛ ومختلف مظاهرها وعلائقها بمفهوم معمارية الخطاب الشعري.
أما القسم التطبيقي: فقد حاول الاشتغال على قاعدة من الشعريات العربية تتوزع بين الثورتين الشعريتين العربيتين الأولى والثانية: محمد بنيس، أدونيس، سركون، نوري الجراح، بولص، وديع سعادة، محمد بنيس، فاتحة مرشيد، سيف الرحبي ، شربل داغر، عبد الله زريقة ، حسن نجمي، عباس بيضون، باسط بن حسن.
لقد انبثق العمل عن أسئلة شائكة شكلت تحديا بالنسبة للقارئ والباحث معا؛ وأوحت بها قراءة الشعريات الحداثية المذكورة أعلاه . ومن بين هذه الأسئلة نذكر على سبيل التمثيل:
كيف يتشكل الخطاب الشعري في الشعريات الجديدة، في ظل التعدد المرجعي و في ظل بنيات التناقض والتعارض والتماثل و التوازي التي تسم البنيات الداخلية للخطاب الشعري الحداثي ؟ هل تشكلات بنيات الخطاب الشعري تخضع لقوانين المنفتح، أم أنه نسق منغلق ومقيد بحدود صارمة؟ هل يُفضي تحليل بنيات التحول في الخطاب الشعري إلى استخلاص جنس الخطاب وهويته الشعرية؟ إلى أي حد استطاعت آليات تحليل الخطاب الشعري –التي تنطلق من التصورات المقترحة في هذا العمل – مواكبة بنيات التحول في الشعرية العربية ؟ كيف ينتج الخطاب الشعري العربي بنياته وأنساقه؟
هكذا افترضنا في هذا العمل حضور أنساق مشتركة بأبعاد يتقاطع فيها الذاتي، بالحضاري و الأنثروبولوجي والسيكولوجي، فضلا عن البنيات النصية الثقافية، التي تمارس سلطة على الذاكرة .. فالخطاب بناء تتحكم فيه مرجعيات معرفية كما سيظهر من خلال تحليل النماذج التمثيلية. و هذا معناه أن الخطاب الشعري العربي يصدر عن بينات معرفية و أنساق تتحكم في توليد التحولات وجماليات الشعريات وتتشكل عبر تمثل أسئلة الواقع.
وبناء عليه، شكل كل فصل من فصول هذه المحاولة النقدية أفقا لمقاربة أسئلة فرعية كشفت أن الشاعر العربي الحداثي ظل مرتبطا بأسئلة الواقع، و العصر وتحدياته، رغم أن الخطاب النقدي العربي حال دون كشف هذه البنيات والتحولات والجماليات، نتيجة النقد المتسرع و الانطباعي و الصحفي و الإسقاطي والأحادي… وهو ما ساهم في خلق الهوة بين قارئ اليوم و بين الشعرية الجديدة.
إن من بين الأسئلة التي شكلت هاجسا لمجمل فصول المؤلف نذكر:
هل بإمكاننا تأسيس تحليل لبنيات الخطاب الشعري ، تقودنا إلى بلورة حدود الشعر كما تتجلي من خلال شعريات الحداثة؟ كيف تتمظهر وظيفة العلاقة بين بنيات الخطاب الشعري، و بين طرائق تشكلات الخطاب وتأسيس جمالياته، وحدوده التجنيسية وهوية الخطاب ذاته؟ كيف يُجسد تحليل الخطاب الشعري قضية الانتقال من العموم إلى الخصوص، ومن المجرد إلى الملموس، ومن الفهم ثم التوصيف إلى التأويل؟ وإلى أي حد ستقودنا أدوات وآليات تحليل بنيات الخطاب إلى تبني فرضية شعريات تؤثث فضاء الراهن الشعري؟ هل طور المنهج العربي في تحليل الخطاب الشعري أدواته أم ظل رهين إسقاطيه ساهمت في تدهور صورة الشاعر العربي لدى القارئ؟
إن المدخل النظري للمُؤلف مكن من إعادة صياغة حدود الخطاب الشعري، وهو ما سينكشف بعد تحليل الممارسة الخطابية و بنيات التحول في الشعريات العربية، وبالتالي سيمكن من إعادة الاعتبار للقصيدة العربية التي عانت من أحادية المنهج و أفق التحليل، وفي الآن نفسه سيمكننا المدخل النظري في تأملاته النظرية من كشف هوية الخطاب الشعري.. وستتضح الرؤية أكثر مع تناول ومقاربة قاعدة من المتون العربية التي استندنا عليها من أجل مقاربة إشكالية هذا العمل والدفاع عن الفرضية التي يقترحها.
لقد حاول هذا المؤلف من خلال معالجة فرضية كشف بينات التحول بوصفها ترسيما لحدود الخطاب و تأسيسا لجماليات معماريته،التحرر من التجريد والاسقاط، والتراكم والتكرار من جهة ؛ ونحت المفاهيم التي تغني التحليل وتساعد على اكتشاف البنيات العميقة للخطاب، وأنساق تشكلات معمارية الخطاب وبنياته التي ترسم لحدود الخطاب الشعري، وترسم خريطة جنسه الشعرية؛ انطلاقا من مقاربة بنيات التحول.
إن تبني مفهوم معمارية الخطاب الشعري قاد إلى استخلاص نتائج تعكس ارتباط الشعريات العربية بالذاكرة، و في الآن نفسه مواكبة أسئلة الراهن. فانتهينا إلى حضور محاور مركزية تؤثث فضاء هذه الشعريات وترسم هوية الخطاب الشعري وهي : التواصل، الرغبة،الصراع، فضلا عن ثنائيات الموت و الحياة الحرية والاضطهاد، الأمل والأمل، المقدس والمدنس الطبيعة والثقافة ، علاوة على التوتر بين المنفتح والمنغلق. وقد حاول المؤلف الحفر في بنيات التحول وإعادة رسم حدود الخطاب الشعري. وهو ما توضح من خلال التطرق لإبدالات الإيقاع في الظاهرة الشعرية الحديثة، بحيث عرف الخطاب الشعري تحولات أصبح معها الشاعر ينتقل من العروض إلى الإيقاع بوصفه تمثلا ثقافية يعكس مفهوم الخطاب ذاته.
وبذلك انصرف المؤَلف إلى تحليل بنيات الخطاب الشعري، انطلاقا من الاجتهاد في تطبيق سيميائيات تحليل الخطاب والانفتاح على التداولي و اللساني، و الشعري و الأنثروبولوجي ودمجها في حقل تحليلي واحد، بحيث تنبني على مبدأ الانسجام و الملاءمة . وهو ما مكنه من تجاوز الإسقاط والتجريد وأحادية الرؤية في تحليل الخطاب الشعري الراهن ، كما مكن المؤلف من كشف آفاق الخطاب الشعري الحداثي، وموقعه ضمن الشعريات الكونية.
إن الانطلاق من مجموعة من المتون الشعرية الرائدة مكننا من استخلاص نتائج أبرزها الكشف عن تحولات بنيات الخطاب الشعري ، وعلائقه بالوجود و الذات و الواقع والذاكرة والحضارة الجديدة ، وتبين أن الشعرية المعاصرة واكبت أسئلة الذات و الآخر، وساهمت تعرية اللاوعي العربي من خلال كشف ذاكرته وما تحفل بها من قضايا تضيء الراهن بكل تجلياته ، و تمتد إلى أسئلة حول الحضارة والثقافة و أنتربولوجية المعيش اليومي؛ كما هو الأمر بالنسبة لصورة الحرب والاضطهاد والصمت





