أدب وفن

خطوات / قصة قصيرة/ بقلم القاصة هند يوسف خضر -سوريا

خطوات
ليلة كانونية مدلهمة ، برد ينهش العظام بأسنان لا تعرف الرحمة، شعرت بصوت اقدام أمام شرفة منزلها، نهضت كأنها تنتظر أحداً، ارتدت معطفها على عجل، أطلت من النافذة دون ٱن ينتبه لها، رأته يرتدي سترة من الصوف و يضع شالاً أسود حول عنقه، لمحته يفرك يديه ببعضها ليمنحها بعض الدفء، كان واقفاً يضرب أخماسه بأسداسه كأنه يدرس خطواته قبل أن يتقدم، شردت به قليلاً، شعرت أنها تعرفه منذ زمن بعيد، حدثت نفسها: ما الذي أتى به إلى هنا في هذا التوقيت… أتمنى لو أكون العنوان الذي يبحث عنه فيجد ضالته عندي…من الواضح أنه يعاني من البرد، خطا خطواته الأولى، تسلل رويداً رويداً دون أن يراه أحد ، راح يراقب النوافذ ظناً منه أن هناك من يشاهده بداعي الفضول، هز كتفيه و مسد بأصابعه الطويلة لحيته الجذابة وأعاد الحركة مرة ثانية، أخذ زاوية بعيدة عن العيون و وقف فيها، أشعل سيجارة ثم أطفأها مباشرة كي لا يفضحه الضوء المنبعث منها، عض على شفتيه مرتبكاً، لم يكن واثقاً من رحلته، أحس أن شيئاً ما يمنعه من السير، تمتم بضعة كلمات غير مفهومة: يا ترى هل هناك من يقيد قدميّ أو أنني أتيت إلى العنوان الخطأ، كانت الحيرة سيدة الموقف – انقطعت الكهرباء مرة أخرى- بعد معركة لا بأس بها مع أفكاره سار على ضوء قداحته، قرر أن يطرق أحد الأبواب بمحض المصادفة، وضع يده اليمنى على الباب ثم سحبها، أعاد الحركة و نقر نقرات خفيفة … يا ترى من سيكون هنا ( سأل نفسه)
لا بد أنه أتى ( همست بينها و بين ذاتها)، نهضت بسرعة من سريرها العاجي شعرت أنها على موعد مع الفرح الذي غادرها منذ وقت طويل، بأناملها الرقيقة أسدلت شعرها الطويل المجعد بخفة و زينته بفلة حمراء، وضعت على عنقها عطرها المفضل و اتجهت نحو الباب بلهفة عاشقة تنتظر قدوم حبيبها على حصان أبيض ليأخذها معه و يحقق لها أحلامها…
وضعت يدها اليمنى على قبضة الباب ثم سحبتها، فركت أذنيها ظناً منها أن الباب لم يطرق و ما من كائن خلفه – إنها مجرد تهيؤات- الصوت مجدداً، ثلاث نقرات برأس سبابته..
دهشة غير مسبوقة أصابتهما عندما فُتِح الباب، حالة من الغليان رغم الصقيع، كلاهما يعيش على قيد الانتظار، هي تنتظر أن يستأذنها بالدخول و هو ينتظر أن تقول له تفضل، كشمس أيار لامست روحه فشعر بالدفء، كنسمة لطيفة في حر الصيف لفحت ملامحها فأصيبت بالذهول، شردا ببعضهما فباحت عيناهما بما عجز عنه اللسان، أدرك أنه وصل إلى العنوان الذي طالما بحث عنه، تأكدت أنه هو الشخص الذي انتظرته طويلاً، دقت أجراس العشق فلبى كل منهما النداء، ساقه القدر إلى الحقيقة ليطلق الرصاص على رأس الوهم فأصيب بسهم بساطتها، فتحت الباب للأمان كي يمنحها أوكسير الحياة فابتلعت خيبتها…
عربش الضوء على أقدام الزمان و تسلل إلى قلبيهما، عاشا بداية بلون الأمل، لحظات بحجم العمر و نشوة بنكهة الكرز…
أوشك الفجر أن يطلع، هو غير قادر على تحريك قدميه والتراجع إلى الخلف، هي لا تستطيع أن تغلق الباب، إنها أعراض الإصابة بالتهابات عاطفية ما من دواء لها في الصيدليات ولا شفاء منها، أي قدر ساقهما باتجاه بعضهما يا ترى و ما الحكمة من ذلك؟ سيل من الأسئلة، أفكار تتلاطم في رأسيهما كما تتلاطم أمواج البحر..
مع بداية إشراقة الصباح، تبدل المشهد، بشكل مفاجىء، تغيرت نظراته، بدا كأنه يعيد حساباته، ارتسم الخوف على وجهها، بدأ القلق يسكنها، أحس أنها لا تشبه الحقيقة التي يبحث عنها، شعرت أنه قد سحب بساط الأمان من تحت قدميها، لا أحد يدرك ما العائق الذي وقف بينهما بين ليلة و ضحاها..
تراجعت خطواته بصعوبة بالغة و بقي ظلها حوله، أغلقت الباب خلفه و حضنت رائحته معها…
هو مازال يحفظ ملامحها رغم غيابه، هي مازالت تحبه رغم ضياعها،

القاصة هند يوسف خضر .. سورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى