كيف أثرت ثلاثية الكسندر دويماس Alejandro Dumas على تصورنا لتاريخ فرنسا

في ثلاثيته الرمزية جعل الكاتب الفرنسي العظيم الكسندر دويماس من ريشوليو أرتاغان و آنا دي اوستريا Anna de Austría أبطال عالميين من الأساطير .و نماذج ما زالت الى يومنا هذا تدهش و تستقطب الإعجاب
الثلاثية تتألف من “الفرسان الثلاثة ١٨٤٤ ” / بعد عشرين عام ١٨٤٥ /و الرجل ذو القناع الحديدي ١٨٥٠/ . جرت احداثها في القرن السابع عشر و هي حقبة اتسمت بكثرة القلاقل و الصراعات و المؤامرات السياسية و الحروب .
يجد القارىء متعة في قراءة تلك الروايات و لكن ايضا هي تؤثر في القارىء و في تصوره لتاريخ فرنسا و كذلك على المشاهدين لأنه هوليود ايضا حولت تلك الروايات الى افلام. و مابين الأمانة التاريخيةو حرية الإبداع فإن تلك الروايات قد تركت الأثر العميق في المخيلة الثقافية الجمعية .
بين الأمانة التاريخية و حرية الإبداع
الكسندر دويماس استخدم التاريخ كخلفية ، كقماشة نسج عليها احداثا كثيرة التعقيد و لكي يكتب الفرسان الثلاثة استند على وثائق و ملفات مثل : مذكرات السيد دارتاغان التي كتبها كورتليس دي ساندراس في العام ١٧٠٠ و هو من الفرسان و كذلك كاتب …هذا شكَّل ألكسندر دويماس مصدرا كي يحيط بما جرى من احداث في ذاك الزمن و يتعرف الى ابطاله …طبعا لم يكن الكسندر حريصا جدا على الأمانة التاريخية فهو بالنهاية كاتب و قد يضحي بالصرامة و الجدية لحساب ضخ الحيوية في قصصه و رواياته و بحسب مسار الاحداث الذي يظهر ذلك، و كثيرا ما اخترع دويماس ابطالا غير موجودين في الحقيقة .
عمل دويماس يقع في منطقة وسطى بين الرواية التاريخية و بين رواية المغامرات . لكن بعض الأمور كانت حقيقية مثلا التنافس الشديد بين الكاردينال ريشوليو و بين دوق بوكينغهام في حصار الروشيل و هي نقطة واضحة للتناقض بين فرنسا و انكلترا حول مسألة دعم البروتستانت .
لكن الكاتب سمح لنفسه بزيادة بعض العناصر الخيالية من اجل تحقيق السطوة على القارىء و خاصة ان الرواية نشرت كسلسلة ادبية في صحيفة la presse . فبالغ دويماس في اظهار الجانب التراجيدي و الآلام في ذاك الحصار على المدينة بدل ان يروي الأحداث بدقة كما جرت .

طبعا مارس هذه الإنتقائية و التحيز كي يضفي على عمله الطابع الروائي بكل ما فيه من تشويق و حركة و تفاعل المشاعر …حيث تقدمت كل تلك الأمور على حساب حقيقة الأحداث ،لذلك لا يمكن اعتبار روايته كتابا للتاريخ .
ابطال حقيقيون مثل ريشوليو ،آنا دي اوستريا و لويس الثالث عشر ، قام الكسندر دويماس بتطويعهم بحسب العمل فاخترع طباعا و سلوكا اكبر مما كانوا عليه في الحياة . ريشوليو مثلا في الرواية هو الذي يحيك المؤامرات السرية و يمارس الألاعيب و الأضاليل السياسية على صورة ماكيافيلي و أكثر…و أبطال آخرون مثل آتوس ، بورتوس ، آراميس و دارتاغان مسْتَلهمون من صورة الفرسان ربما كانوا حقيقة.. لكنه أضفى بسخاء مبالغ على شخصياتهم البطولة و الشرف و الشجاعة و الصداقة .
دويماس بنى شخصياته كالأساطير تجسيدا للفضيلة او الرذيلة و بذلك ساهم بتظهير تاريخ تتغلب فيه البطولة على الواقع .. و يكون البعد في الشخصية آحاديا و مهووسا و نمطيا : الشرير و المتآمر و الجاسوس
القفزات الزمنية بين الروايات الثلاث سمحت للكاتب مقاربة ازمنة مختلفة ضبط خلالها التسلسل السردي ، و هي تقارب حقبات مختلفة من تاريخ فرنسا و تعطي القارىء انطباعا عن التسلسل المنطقي لكن حرية السرد تقود الى رؤية سطحية و مبسطة للتاريخ .

فرنسا البطولة
عبر فرسانها يبني دويماس رؤية البطولة لفرنسا و تاريخها ، دارتاغان و رفاقه الفرسان يمثلون فكر و روح فرنسا …القادرة على مقاومة المؤامرات و الصراعات من أجل الدفاع عن المثل العليا و العدالة و الولاء وكذلك عبر تلك المغامرات يحاول ان ينقل رسالة عن صلابة الإنتماء و الوطنية لهؤلاء الأبطال …الذين و برغم التنافس على السلطة ظلوا ملتصقين بوطنهم و بملكهم.
دويماس نقل و اخترع نسخة جديدة متوافرة لما حصل في الواقع ، و قد اكتسبت انتشارا و شعبية بفعل عدد المرات التي اقتبست عنها الافلام حولت الفرسان الثلاثة الى ابطال عالميين و على سبيل المثال من خلال دوغلاس فيربانكس ١٩٢١ و جين كيلي ١٩٤٥ و قد بلغت الاقتباسات السينمائية أكثر من الخمسين
هدف دويماس كان و ما زال من اجل امتاع القارىء و امتلاك حواسه و ليس من اجل اعطاء درس في التاريخ !!! و لكن الرواية كونها منتشرة كسمة و كمصدر للمؤامرات و الشخصيات فذاك يعطي انطباعا للقارىء ان كل شيء هو حقيقي .
دويماس سمح لنفسه بالكثير من التناقضات التاريخية في الوقت الذي كان فيه الحرية فضفاضة بمقاربة الاحداث التاريخية مثلا قصة الحب المحرم بين آنا دي اوستوريا و بوكينغهام و التي لم تحصل ابدا و كذلك قام بتكثيف بعض الأمور و و نقل بعض الاحداث من مكانها …عدم اعتماد الدقة بشكل متعمد في السرد وظفها دويماس من اجل الدراما و التشويق …و قد جوبهت بعاصفة من النقاد …لكنها لم تمنع القراء من التفاعل و الإستحسان للفرسان أبطال الرواية .
نماذج مثالية
الأبطال داراتاغون ،آتوس ،بورتوس، و أراميس تحولوا الى رموز للإرث الثقافي الفرنسي يجسدون مثلا عليا : الشجاعة ، الصداقة و معنى الشرف مما حولهم الى ابطال خالدين …لقد خلق دويماس نماذج تجاوزت الأدب وأصبحت رموزًا للمخيال الجماعي.
عند نشرها، في القرن التاسع عشر، عكست مغامرات الفرسان الهموم الاجتماعية لتلك الحقبة، وهي فترة شهدت اضطرابات سياسية واجتماعية في فرنسا (ثورتا 1830 و1848، وغيرها). ويمكن تفسير ولاء الفرسان لملكهم، رغم اختلافاتهم الشخصية، على أنه انعكاس للوطنية والولاء للدولة في سياق ما بعد الثورة
وأخيرا، كان لثلاثية دويماس تأثير دائم على نوع الرواية التاريخية، ليس فقط في فرنسا، بل وأيضا على المستوى الدولي.
استطاع دوما ابتكار شكل أدبي تُصبح فيه القصة مغامرةً مثيرة، لا مجرد ذريعة. وبطريقة ما، أسس نموذجًا تبناه وطوّره العديد من الكُتّاب، مثل بول فيفال في روايته “الأحدب”.
حتى يومنا هذا، لا يزال هذا النهج مؤثرًا في الروايات، بل وحتى في الوسائط السمعية والبصرية كالأفلام والتلفزيون. ولا تزال ثلاثية الفرسان الثلاثة مرجعًا أساسيًا لكل من يرغب في مزج التاريخ بالخيال.

ترجمة / سمية تكجي*
المصدر / Infobae




