أدب وفن

​محمود درويش: مهندس الوطن ، وشاعر الوجود


فاتن مرتضى*


محمود درويش غالبًا ما يُقرأ كشاعر سياسي، لكن شعره أعمق بكثير من أي تصنيف .لا يكتب الشعر مجرد حروف على الورق، بل يُعيد صياغة الوجود. هو الشاعر الذي دخل اللغة كعاشقٍ إلى معبد، ليحوّلها من أصوات عابرة إلى جسورٍ تربط بين الروح والأرض. لم يكن درويش مرآة للواقع فحسب، بل كان مهندسًا للحلم والمستقبل ، يٌشيّد وطنًا من الكلمات، ومهندسًا للذّاكرة، يغرس في القلوب شجرًا لا يُقتلع. في نصوصه، يتعايش الحزن مع النّور، والغياب مع الحضور، والمقاومة مع الغناء، لتتحول القصيدة إلى بيتٍ يسكنه الجميع، ووطنٍ لا تحدّه الخرائط.
​إعادة كتابة الواقع واللغة


​شعر درويش ليس مجرد وصف للوجع أو تسجيل للتاريخ، بل محاولة مستمرة لتفكيك الواقع وإعادة بنائه بوعي جديد. في كل بيتٍ، يخلق فضاءً آخر، يفتح نوافذ تطل على ما وراء الألم. فاللّغة عنده ليست وسيلة للتّعبير، بل أداة للخلق والتّغيير، كأنّها عصا ساحر تحوّل رماد الواقع إلى بذور أمل.

. هو الشاعر الذي دخل اللغة كعاشقٍ إلى معبد، ليحوّلها من أصوات عابرة إلى جسورٍ تربط بين الروح والأرض. لم يكن درويش مرآة للواقع فحسب، بل كان مهندسًا للحلم والمستقبل ، يٌشيّد وطنًا من الكلمات، ومهندسًا للذّاكرة، يغرس في القلوب شجرًا لا يُقتلع.


​وعندما كتب: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”، لم يكن يرسم لوحة شعريّة وحسب، بل كان يغرس في القلوب إرادة الحياة في وجه الموت. فجأة، تتحول التّفاصيل الصّغيرة—من رائحة الخبز عند الفجر، إلى غيمة تتبع غيمة، وهمسة حب—إلى شعلات مقاومة، تجعل الوطن يكبر في الصّدر ويستمر في الذّاكرة.


​إعادة هندسة الهوية والتاريخ والجغرافيا
​لم يكتفِ درويش بالرّمزيّة، بل خاض معركة الوجود من خلال اسمه، صوته، وقصيدته. في زمن محاولة محو الهويّة الفلسطينيّة، لم يصف شعبه بالممزّق في المنافي، بل أعاد كتابته ككيانٍ موحّد لا يُهزم. أصبحت قصائده وثائق حيّة، لا تطلب اعترافًا من أحد، بل تعلن حقيقتها بجرسٍ داخليٍّ يسمعه كل فلسطيني.


​في قصيدة “أنا من هناك”، يوجز درويش أزمة الشّتات بقوله: “أنا من هناك، من هناكَ كنتُ / ولكنّي الآنَ لستُ أنا”. هنا لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يفتح بابًا لتجديد الهويّة مع كل قراءة، كزهرة تنمو بين صخور المنفى . أما في “سجّل أنا عربي”، فهو يرفع صوته كمن يكتب دستورًا للوجود: “سجّل! أنا عربي / ورقم بطاقتي خمسون ألف / وأطفالي ثمانية / وتاسعهم سيأتي بعد صيف”. الكلمة هنا ليست مجرد اعتراف بالهويّة، بل صرحٌ يبني نفسه في وجه العدم.
​وبوعي ذاته، لم يترك التّاريخ على حاله، بل أعاد هندسته. استدعى جلجامش وعشتار من أساطير الشّرق، ليحوّل بحث البطل عن الخلود الفردي إلى بحث عن خلود الوطن. يقول: “هل جلجامشٌ فينا الذي يبحث عن موتٍ يُخلّدُهُ؟”، مؤكّدًا أنّ التاريخ لا يُستعاد بل تُعاد كتابته: “وكلُّ تاريخٍ لَمْ يَكُنْ بَدَلي / سيغدو بدايةَ تاريخي المُحَطَّمَ.”


​أما الجغرافيا، فقد صارت عنده جسدًا ينبض بالذّاكرة. لم تعد القدس، حيفا، وغزة مجرد أسماء على خرائط، بل أرواح حيّة تسكن الحجر والرّيح. يقول في قصيدة عن القدس: “أمشي من حائطٍ إلى آخر، من حجرٍ إلى آخر، من ذكرى إلى ذكرى… ولا أعثرُ على اسمٍ يليقُ بالقدسِ إلا اسمها.” هنا تتحول المدينة إلى كيانٍ يرفض التّسمية إلا بقدسيتها الأصليّة، وتتجلّى في قصائد أخرى كأمّ البدايات والنّهايات، حاضنة لروح الوطن كلّه.
​محمود درويش: الأب الرّوحي وحلم الوطن
​لم ينجب درويش أبناءً، لكنّه صار أبًا لكلّ أبناء فلسطين. لقد كان قراره واعيًا بتكريس حياته كلّها لشعبه. كل قصيدة كتبها كانت بمثابة حضنٍ مفتوح لوطنٍ مشرّد، وخريطة طريق لأرضٍ غائبة لكنّها حاضرة في الحُلم. لم يصف المنفى بوصفه غيابًا، بل خلق من اللّغة وطنًا موازيًا، تتحوّل فيه الأماكن إلى رموز، والأشخاص إلى أساطير، والألم إلى فعل مقاومة.
​وكأنّه يُعلن أنّ الشّعر ليس ملاذًا شخصيًا، بل قدرًا جماعيًا يُعاش على هيئة مقاومة وصمود، حين كتب: “منذ الآن، سأعرفُ مَن أنا، وماذا أحبّ، وكيف أحبّ، وكيف أموتُ لأحيا.”

كل قصيدة كتبها كانت بمثابة حضنٍ مفتوح لوطنٍ مشرّد، وخريطة طريق لأرضٍ غائبة لكنّها حاضرة في الحُلم. لم يصف المنفى بوصفه غيابًا، بل خلق من اللّغة وطنًا موازيًا، تتحوّل فيه الأماكن إلى رموز، والأشخاص إلى أساطير، والألم إلى فعل مقاومة.


​حلم درويش المستمر
​لم تكن قصائد درويش مجرد نبوءات، بل كانت بذورًا زرعها في وعي شعبه. كل بيت منها ينمو اليوم في غزة، والقدس، وحيفا، ليس بالكلمات وحدها، بل بالصّمود اليومي الذي يُعيد كتابة الوجود مع كلّ شروق. في “حالة حصار”، يقول: “على هذه الأرض، سَيِّدةُ الغُبارِ، سَيِّدَةُ البِدايَاتِ والنّهاياتِ”، معلنًا أنّ الموت ليس فناءً، بل تحوّلًا إلى وجودٍ أوسع، في الذّاكرة والرّوح.
​الحلم الذي حمله درويش لم يكن حلمًا فرديًا، بل حلم أمة كاملة ينتقل من جيل إلى جيل، كما تنتقل النّار من شُعلة إلى شُعلة، فلا تنطفئ أبدًا. هكذا يظلّ محمود درويش حيًّا، ليس فقط في كتبه، بل في كلّ لحظةٍ يكتب فيها الفلسطيني دمه على الأرض كقصيدةٍ لا تموت.


كاتبة وناقدة لبنانية*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى