أنفاسٌ تحاورُ الزّمن/بقلم الشاعر ميشال أبي عاد

أنفاسٌ تحاورُ الزّمن
أيملكُ الإنسانُ أن يواجهَ الزّمن؟
أم أنّ الزّمنَ خصمٌ خفيٌّ، لا يُرى ولا يُدرك،
يقتاتُ من أعمارِنا، ويقتلعُ أحلامَنا،
يمضي في صمتٍ، ويتركُنا في صخبِ الغياب؟
إنّه يمضي… نعم، لكنّ الحقيقةَ المُرّة:
لسنا نحن أبناءَ البقاءِ، بل أبناءُ الفناءِ،
نذوبُ في لحظةٍ، ونغيبُ في ومضةٍ،
أمّا هو… فيبقى،
ساكنًا كالأبدِ، متحرّكًا كالنّهرِ،
لا يملُّ عدَّ أنفاسِنا، ولا يكلُّ من إحصاءِ آثارِنا.
كلُّ نفَسٍ يخرجُ من صدورِنا صفقةٌ خفيّةٌ،
يأخذُ منّا ثانيةً، ويهبُنا لحظة…
يأخذُ منّا ذكرى تضيءُ، أو تجربةً تؤلمُ،
وفرحًا عابرًا، أو خيبةً جارحةً.
لكنّ السّؤالَ السّؤال:
هل نحن نملكُ أنفاسَنا؟
أم أنّها أمانةٌ في يدِ الزّمنِ،
يقبضُها متى شاءَ، ويتركُنا نرتجفُ بلا قرار؟
الزّمنُ لا يحاوَرُ بالقولِ، بل بالفعل.
إذا أهدرتَ أنفاسَك في لغوٍ وضجيجٍ،
فقد سلّمتَ سيفَك قبل أن تبدأَ المعركة.
وإذا أنفقتَها في حبٍّ يزهرُ، أو إبداعٍ يثمرُ، أو عطاءٍ يزهو،
فقد أشعلتَ ثورةً، وخلقتَ معجزةً،
وجعلتَ للأنفاسِ لحنًا يربكُ قوانينَه.
لكنّ المفارقةَ عجيبةٌ،
الزّمنُ لا يخسرُ، لكنّه يُخدَع.
نكتبُ كتابًا فيطولُ عمرُنا بين السّطورِ،
نتركُ أثرًا فتتحوّلُ أنفاسُنا إلى أصداءٍ،
تبلغُ من لم يولدوا بعد،
فتعلنُ أنّنا كنّا هنا… وما زلنا.
فمن يكونُ الزّمن؟
أهو عدوٌّ نطاردُه كي لا يسبقَنا؟
أم صديقٌ خفيٌّ، يذكّرُنا أنّنا لسنا خالدين،
فنسمو لنكونَ أعظمَ ممّا نحن عليه؟
الأنفاسُ حوارٌ مكتومٌ مع الزّمنِ، حوارٌ لا يُكتبُ بالحبرِ، بل يُخطُّ بالوجود.
إمّا أن ندعَه يفرضُ مسارَنا كما يشاءُ،
وإمّا أن نحفرَ به أسماءَنا في ذاكرةِ الخلود.
الزّمنُ، مهما تجبّرَ،
لا يملكُ أن يمحوَ من عاشَ حقيقةً،
بل فقط من مرَّ هباءً،
وانطفأ غبارًا تذروه الرّياحُ على قارعةِ الحياة.
أبي عاد ميشال ١٤ / ٩ / ٢٠٢٥




