أدب وفن

سوار/ قصة قصيرة / بقلم القاصّة هند يوسف خضر

سوار

في السوق العتيق حيث تعبق رائحة الماضي و ضجيج أصوات الباعة ولمعان الفضة والذهب، كعادتها تأتي جوليا يومياً لتتجول في السوق، تحب تفاصيله كأنه مرآة لطفولتها، تقف خلف زجاج محل للمجوهرات، تلقي نظرة مطولة على محتوياته المصنوعة من الفضة، كانت تلمع كوميض ضوء القمر على وجه البحر..
جوليا ابنة المدينة المشبعة بالصخب والازدحام، عيناها واسعتان تحملان بريقاً يجذب كل من ينظر إليها، متوسطة الطول، جسدها ممتلىء، شعرها كستنائي مجعد، بشرتها بيضاء مثل ندف الثلج، أما داخلها فهو معجون بحديقة زهور قرب المقبرة، هي ابنة مدينة جبلت من تربة خصبةو ماء عذب ، خطواتها كرأس سهم يغرز قدميه وسط الزحام، لمن يراها للمرة الأولى يظن أنها متكبرة، متمردة، لكن من يقترب منها يجد قلبا كشلال ماء يخرج من شقوق الصخر ، وقع نظرها على سوار من الفضة، أصبحت تتأمله كل مرة تأتي إلى السوق، تتمنى في داخلها لو أنها تستطيع اقتناءه، أو أنها تنتظر يداً أخرى تهديها إياه، ذات مرة كانت تقف كعادتها، أحدهم من الداخل كان يراقبها بصمت، تقدم نحوها، إنه ابن صاحب المحل، يبدو وسيماً للغاية، شعرت بالإحراج أمامه عندما سألها عن سبب مجيئها باستمرار و وقوفها أمام المحل، حاولت مغادرة المكان، لكنه طلب منها أن تتمهل….
ميلاد شاب طويل القامة نسبياً، عيناه تختصران سواد الليل، لحيته جذابة، وفي داخله يحمل نضجاً غير منقطع النظير، منذ نعومة أظفاره يحلم بمتابعة الدراسة خارج البلد، وإلى جانب هذا يحلم بفتاة هادئة، دافئة ومثقفة، وضعه المادي الممتاز لم يجعله مغروراً، على العكس كان قمة في التواضع و الأدب…
ميلاد: هل هناك شيئاً محدداً نال إعجابك لأساعدك؟
جوليا: نعم..لكن ليس الآن
ميلاد: أراك دائماً تنظرين إلى سوار الفضة هذا
تلعثمت جوليا بالكلام و قالت له: بالإذن منك…
مرت بضعة أسابيع ولم تأت فيها جوليا إلى السوق، شعر ميلاد بضيق شديد لم يدرك ما سببه في البداية، بعدها أيقن أن غياب تلك الفتاة هو السبب في حالة الفوضى التي اعترته،
رتب أشياءه ريثما تأتي من جديد…
عادت جوليا و رآها مجدداً و أدرك أنها ليست مجرد فتاة عابرة من خلف الزجاج وإنما حكاية من حكايات الخيال، كان وداعهما مختلفاً، خبأ مشاعره خلف ابتسامة هادئة، تسارعت ضربات قلبه، لم يقل شيئاً سوى بضعة كلمات عابرة عن السفر والدراسة والعودة قريباً، غادر إلى بلاد بعيدة تاركاً خلفه مدينة لا تجهل خطواته، دفن في قلبه شيئاً لم يتجرأ على البوح به لأن الدراسة كانت حلماً لن يتخلى عنه..
مرت سنوات الغربة، حقق حلمه الدراسي إلا أنه كان يشعر بشيء يرهقه، خيال تلك الفتاة الواقفة خلف زجاج المحل بلا أمل أثقل كاهله ولم يفارقه يوماً…
عاد ميلاد بعد أعوام طالت أكثر مما كان يتخيل، لم يكن السفر مجرد فترة من الدراسة بل حياة كاملة عاشها بعيداً عن جذوره، تعلم الكثير من قساوة الغربة ولكنه ظل يحمل في أعماقه صورة لم تتغير وهي وجه جوليا المنتظرة خلف الزجاج…
عندما عاد ساقه قلبه قبل قدميه إلى السوق العتيق، نفس المكان، المحل، الواجهة والتفاصيل لم تتغير، كان يخشى أن تصبح الذكريات أرحم من الواقع – فجأة- رآها تقف وسط الزحام مثل آخر مرة، عيناها تتأملان المحل لكن هذه المرة نظرات التأمل مختلفة، لم تعد تلك الفتاة التي عرفها بل أصبحت امرأة ناضجة تحمل بين ملامحها شيئاً من القوة وبعضاً من الحنين، لحظة واحدة ربما أعادت أو بعثرت كل شيء، وقع بصره على معصمها، سوار رقيق مألوف حد الصدمة يحيط به، نفس السوار الذي تمنى أن يضعه في يدها، تجمد في مكانه، تساءل في داخله أكان هذا السوار هدية من أحدهم أم أنها اشترته لتملأ فراغاً ، لم يسألها ولم تشرح له كيف وصل السوار إلى يدها، فقط تبادلا نظرات مثقلة بأسئلة لا أجوبة لها…
قال: هل مازال هناك متسع لشيء بيننا؟
ابتسمت ابتسامة باهتة، لم يقرأها بوضوح ولم يميز إن كانت ترحيباً بعودته أم أنها وداع متأخر
أخفى ارتباكه خلف جدار من الصمت، في تلك اللحظة كان السوار يلمع بينهما ليس كزينة فقط إنما كرمز غامض..
تركهما الزمن واقفين بين بداية محتملة ونهاية لم تكتب بعد.

هند يوسف خضر ..سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى