أدب وفن

“الأسفار والتّحوّلات” للدكتور طراد حمادة : رحلة في مرايا الرّوح ودهشة الوجود

“الأسفار والتّحوّلات” للد. طراد حمادة : رحلة في مرايا الرّوح ودهشة الوجود

فاتن مرتضى*

في ديوان “الأسفار والتّحوّلات” للشاعر طراد حمادة، الصادر عن منتدى شاعر الكورة الخضراء، نجد أنفسنا أمام عمل شعري استثنائي يختزل رحلة الإنسان المعاصر في بحثه عن الهوية والمعنى. يمثل هذا الديوان لوحة فنية متكاملة تجمع بين الأصالة والحداثة، بين الذاتي والكوني، وبين الواقعي والمتخيَّل. يقدم الشاعر رؤية فنية تنقل القارئ من عالم الواقع إلى فضاءات التأمل، في حوار شعري عميق مع أسئلة الوجود التي تشغل الإنسان اليوم.

يحمل العنوان “الأسفار والتحوّلات” ثراءً دلاليًا عميقًا؛ فـ”الأسفار” لا تعني التنقّل الجغرافي فحسب، بل تمثل رحلة المعرفة والاكتشاف والانتقال بين مراتب الوعي. إنها الرحلة الخارجية والداخلية معًا، التي تبدأ بالحركة في الفضاء وتنتهي بالغوص في أعماق النفس. أمّا “التحوّلات”، فتشير إلى النقلة النوعية في الذات والرؤية، حيث يتحوّل الفهم وينمو الوعي، وتتغير النظرة إلى العالم والوجود. العلاقة بين المفهومين جدلية عميقة: فالسفر يؤدي إلى التحوّل، والتحوّل يدفع إلى السفر، في دائرة مستمرة من النمو والتطوّر، ما يجعل العمل الشعري كائنًا حيًا يتجدّد مع كل قراءة.

يبني الشاعر عالمه على شبكة رمزية غنية؛ يأتي في مقدمتها رمز يوسف الذي يجسّد الجمال المطلق بكل أبعاده. فـ”معارج يوسف” ترمز لسُلَّم الكمال الإنساني ومراحل الصعود نحو المطلق، بينما يمثل “حجاب يوسف” الحاجز بين العالم المادي والعالم الروحي. كما تتجلى رمزية الطيور والعصافير كتمثيل للتحرر والانطلاق المعرفي، من “العصافير تهجر أعشاشها” كرمز للمغامرة والخروج من منطقة الأمان، إلى “البلبل المغرد بالعشق” الذي يمثل الصوت الشعري في أنقى صوره. يقول الشاعر:
“طارت الطيور بحثًا عن عوالمٍ لم أرها، وحملت الرياح حكايات الغياب واللقاء”، لتتجلى فكرة الرحلة الداخلية والخارجية في آن واحد.

في القسم الثاني من الديوان، تتحوّل المدن من كيانات جغرافية إلى رموز للهوية والانتماء: فـ”دمشق” تمثل الفضاء الثقافي الممتد والحضارة المتجذّرة، و”القدس” تجسد البعد الروحي المتعالي، و”حلب” ترمز للحيوية الثقافية والحياة النابضة. عبر هذا التحول الرمزي، يخلق الشاعر حوارًا خلاّقًا مع التراث، مستدعيًا شخصيات أدبية وتاريخية كالمتنبي وأبي فراس ومهيار الديلمي، في حوار بين الأجيال بحثًا عن استمرارية الهوية في عالم متحوّل. يصف الشاعر في هذا السياق:
“أمشي في طرقات المدينة القديمة، وأسمع أصوات الشعراء تصعد معي نحو الضوء”.

يشهد الديوان تحولًا جوهريًا من السفر الجغرافي إلى الرحلة النفسية، حيث ينتقل من وصف العالم الخارجي إلى تأمل الذات الداخلية. ويتحوّل مفهوم العشق من الهيام العاطفي إلى الحكمة الوجودية، كما في قوله:
“ما عدت عاشقًا.. صرت أستاذًا”.
هذا التحول لا يعني التخلي عن العشق، بل الارتقاء به من مستوى العلاقة الفردية إلى مستوى الرؤية الكونية. كذلك يتحول مفهوم الزمن من مسار خطيّ إلى تجربة وجودية مركبة، يصبح فيها “النسيان” قوة فاعلة في تشكيل الهوية لا مجرد فقدان للذاكرة، كما يقول الشاعر:
“نسيان الأمس يقودني إلى فهم اليوم، وحين أغفو أستيقظ على معارج روحي”.

يضم الديوان أيضًا بعض قصائد الغزل التي تضيف بعدًا إنسانيًا وحسيًا للتجربة الشعرية، فالشاعر لا يكتفي بالتأمل الفلسفي والوجودي، بل ينقل القارئ إلى فضاءات الحب والوله، حيث تتجلى العواطف في أشكالها الأنقى، ويصبح العشق وسيلة للتواصل الروحي والمعرفي، متجاوزًا حدود الهيام التقليدي، مواكبًا التحولات التي يعيشها الذات والمكان والزمان في الديوان. يقول في هذا الإطار:
“أرى عينيك شعاعًا يذيب الليل، ويزرع قلبي بالنور”.

كما يدمج الشاعر الأسفار والتأمل في نصوصه، كما يظهر في قصيدة “ابقي أيتها الشمس”:
“الآن أرى نفسي سائحًا على ضفاف العاصي، نهري الذي أشوق إليه كلما أحسست بأخيلة الموت، وهل الموت خيالٌ أيها النهر، وهل الموت إيقاعٌ أيها الشعر، وهل الموت غير الموت؟”

وفي قصيدة “يسعى إلى دار الحبيب”، يتحول الحب إلى تجربة وجودية:
“يسعى إلى دار الحبيب كأنه صبٌّ له مشتاق، وإذا أطلّ من البعيد رأى نورًا يضيء، يحدّث نفسَه: هو وجهه الآفاق أم أنَّه المصباح؟ عصفت به الأشواق وتجاذبته الرياح، يا له كيف الوصول إلى دارة النور؟ أطبق الليل على أجفانه، متى ينهض الفجر ويعلن للنهار حكاية العشق وصباحه الإفصاح؟”

كما يمتد التأمل الفلسفي في قصيدة “حكمة عاشقٍ ثملٍ”:
“وحين مررت بالفرعون أسأله عن حال مصر، رأيت وجهها المغناج خلاف وجهه الوسن، عرفت أنّ الجمال اليوسفي هنا عند الأرائك، وأن زليخة احتسبت عدّ السنين وعافت متعة الزمن…”.

أما الطريق، فيتحول من المسار الجغرافي إلى المسار الوجودي، حيث يغدو السفر رحلة داخلية بحثًا عن الذات والحقيقة. ويتّسم الأسلوب الشعري بتحوّل من اللغة الغنائية إلى اللغة التأمليّة الكثيفة، مع اعتماد كبير على التكثيف والإيحاء والانزياحات الدلالية. تظهر تقنية “لغة الشذرات” التي تعكس تشظي الوعي المعاصر وتعقيد التجربة الإنسانية، كما تتجلى الانزياحات الزمنية التي تذيب الحدود بين الماضي والحاضر والمستقبل، مكوِّنة نسيجًا زمانيًا يعبّر عن تداخل الأزمنة في الوعي الإنساني.
ويتجسد الحوار مع التراث في استدعاء شخصيات وأعمال أدبية متنوعة — من أدونيس إلى رعاة أكاديا — في تلاقٍ بين الثقافات والحضارات، لا بهدف استعادة الماضي، بل لإعادة قراءته وفهم الحاضر واستشراف المستقبل. كما يستخدم الشاعر المفارقات الفلسفية التي تخلق صدمة معرفية لدى القارئ وتفتح أمامه آفاقًا جديدة للتأمل.

يُمثّل الديوان في بنيته الكليّة دائرة وجودية تبدأ بالسفر وتنتهي بالعودة، لكنها عودة مختلفة، تحمل وعيًا جديدًا. فالعودة ليست تكرارًا بل اكتمالًا للدائرة. يقدم الشاعر من خلالها رؤية وجودية تتجاوز الثنائيات: بين الذاتي والكوني، الزمني والسرمدي، الفاني والخالد. في هذه الرؤية، يصبح العشق وسيلة للمعرفة، والسفر طريقًا للاكتشاف، والتحوّل هدفًا للوجود. الشاعر لا يكتب عن التحوّلات فحسب، بل يكتب من خلالها، ممارسًا عملية التحوّل في اللغة والصورة والرؤية. إنّ ديوان “الأسفار والتحوّلات” نص مفتوح على التأويل، يحمل إمكانيات تفسيرية لا تنضب، ومن خلال تعدّد الأصوات وشبكته الرمزية الثرية، يقدّم نموذجًا للشعر الذي لا يعبّر عن الواقع فقط، بل يشارك في تشكيل الوعي وإعادة تخيّل العالم. تبقى “التحوّلات” عملية مستمرة، و”الأسفار” رحلات لا تنتهي، ليؤكد د.طراد حمادة أنّ الشعر ليس كلامًا موزونًا فحسب، بل رؤية للعالم وطريقة للحياة.

*كاتبة و ناقدة لبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى