بين خضرة الغابات وزرقة البحر: قراءة في تناص الغياب وهندسة الفراغ

:
بين خضرة الغابات وزرقة البحر: قراءة في تناص الغياب وهندسة الفراغ
فاتن مرتضى*
بينَ زرقةٍ لا تجيءُ بالأشرعةِ وخضرةٍ تقتاتُ على الانتظار، يرسمُ بديع صقور هندسةً للفراغ.. حيثُ الكراسي ليست مقاعد، بل هي أجسادٌ من ضجرٍ تنتظرُ سيداً اختارَ الرحيلَ بطلقة.
تشكل قصيدة «بين خضرة الغابات وزرقة البحر» للشاعر بديع صقور نصًّا تأمليًا كثيفًا، يقوم على تناصٍّ واضح مع عالم الكاتب الأميركي إرنست همنغواي، ولا سيّما مع روايته الأشهر “الشيخ والبحر”، وكذلك مع نصّه القصصي “ثلوج كليمنجارو”. غير أنّ هذا التناص لا يأتي بوصفه استدعاءً سرديًا أو تكرارًا حكائيًا، بل يتحوّل إلى حوار شعري مع الغياب، وإلى مساءلة وجودية لما يبقى بعد انطفاء الصوت الأخير.
التناص: من البطولة إلى الرثاء
في عالم همنغواي، كان البحر فضاءً للاختبار والمواجهة، أمّا في هذه القصيدة، فإن البحر حاضر بوصفه ذاكرة، لا ميدان صراع. لا شيخ يصطاد، ولا سمكة أسطورية، بل كما يصفها صقور:
«الشيخ والبحر» بقايا حطام… / الطيور هجرت «ثلوج كليمنجارو».
هنا يتحوّل التناص من تمجيد الفعل إلى تأمل ما بعد الفعل؛ من لحظة البطولة إلى ما تخلّفه البطولة حين يغيب صاحبها.
أنسنة الأشياء وهندسة الفراغ
يُحمِّل الشاعر الأشياء عبء الغياب، حيث يعتمد النص “أنسنة المكان” ليصبح البيت كائنًا وحيدًا يعاني مرارة الفقد:
”السرير الموحش بلا أغطية / والكراسي الفارغة سئمت الانتظار / الوسادة غارقة في الضجر!”
لا يكتفي الشاعر برصد الغياب، بل يعيد رسم “سيميولوجيا الفراغ”؛ محولاً الكراسي الفارغة إلى أجساد أنهكها الانتظار. ويتجلى جمال النص في المفارقة اللونية والزمنية؛ فبينما يغمر العنوان القارئ بالخضرة والزرقة، نجد المتن الشعري يتآكل بفعل الشيخوخة:
”وكأن الشيخوخة بدأت تدب / في أوصاله الواهية / المجاذيف باهتة ومقشّرة من الألوان…”
كوبا: ثبات المكان وهشاشة الإنسان
في المقطع الذي يؤكّد فيه الشاعر أن «الأرض كوبية وستبقى»، تتجلّى مفارقة النص الكبرى: المكان ثابت، لا يبرح مكانه، بينما الإنسان كائن عابر:
”ما حاجة هذه التلة لمجاذيفك التي تركت؟! / هي لن تبحر… / ولن تفكّر في الرحيل أبدًا…”
تفكيك الأسطورة
حين يقول الشاعر: «أسماك القرش تجوب بحار العالم»، فهو يقابل بين البحر بوصفه أسطورة، والبحر بوصفه واقعًا قاسيًا. القصيدة تعلن بوضوح أن اليقظة تبدّد الأحلام، ولا عودة للأبطال بعد الموت:
”تلك الأشجار الواقفة قبالة البحر / تشكو وحدتها، / ولا أشرعة في البعيد… / اليقظة تبدّد الأحلام”
عاطفة الشاعر: رثاء الوجود ومكابدة الفقد
تنبثق العاطفة في نص بديع صقور من مزيج معقد بين “الأسى الهادئ” و”الحنين الانكساري”. الشاعر هنا لا يندب همنغواي كشخص، بل يرثي “المعنى” الذي كان يمنحه همنغواي للأشياء. إنها عاطفة تتسم بـ “الوحشة الوجودية”، تظهر بوضوح في إشفاق الشاعر على الجمادات التي تيتّمت بعد رحيل صاحبها. هي عاطفة صادقة تتجنب الصراخ، وتكتفي بـ “الدهشة الحزينة” أمام حقيقة أن الطبيعة تستمر في دورتها (نبت العشب وذوى) بينما يظل غياب المبدع فراغًا لا يمتلئ.
أفق التجديد وجسارة الخيال
يتجلى التجديد في هذا النص من خلال قدرة الشاعر على تحويل “الواقعة التاريخية” إلى “رؤيا شعرية” تتجاوز حدود الزمان والمكان. لم يكتفِ صقور بالرثاء التقليدي، بل استخدم خياله ليعيد بناء المشهد من وجهة نظر الأشياء المهملة. الخيال هنا أداة لاختراق صمت الموت؛ فحين يتخيل الشاعر “المجاذيف المقشرة” و”تبخر رائحة العشيقات كزجاجات الروم”، فإنه يقدم تجديداً في صورة “المرثية الحديثة” التي لا تبكي الجسد الراحل بقدر ما تبكي “الذاكرة المادية” التي خلّفها وراءه، محولًاغياب الكاتب إلى لوحة سريالية تنبض بالحياة رغم سكونها.
أسلوب الشاعر: تقشف اللّغة وحِدّة المشهد
ختاماً، يتبع الشاعر أسلوبًا يقوم على “الاقتصاد اللغوي”؛ فهو لا يسرد تفاصيل الانتحار، بل يختزل المأساة في إشارة خاطفة تسأل الغائب:
”ألا تحنّ إلى أشيائك التي / تركتها على إثر طلقة واحدة؟!”
هذا الأسلوب “السينمائي” يركز على التفاصيل الصغيرة لتعبّر عن كليات كبرى. كما يستخدم الشاعر “أسلوب النداء المستحيل” بتكرار “سيد همنغواي”، ليخلق مفارقة بين حضور الاسم في النص وغياب الجسد في الواقع، مؤكدًا سطوة الصمت النهائي.
خاتمة
إنها قصيدة عن الأشياء حين ترثي أصحابها، وعن الأدب بوصفه الذاكرة الأخيرة التي تمنح الغياب لغةً، وتمنع الصمت من أن يكون كاملًا بصوت يردد في النهاية بحتمية حزينة: “لن يعودوا.. لن يعودوا”..

كاتبة وناقدة لبنانية*
القصيدة: بين خضرة الغابات وزرقة البحر
للشاعر: بديع صقور
النوافذ مغلقة، والمدى يتأرجح بين خضرة
الغابات وزرقة البحر والسماء…
مقاعد الحديقة خاوية
ولا من ينتظر رجوعك يا سيد «همنغواي».
«الشيخ والبحر» بقايا حطام…
الطيور هجرت «ثلوج كليمنجارو».
السكينة محبّبة في هذه الغابات
والأرواح صافية…
السرير الموحش بلا أغطية
والكراسي الفارغة سئمت الانتظار
الوسادة غارقة في الضجر!
متبرّمة من البرد، والوحشة…
الأغصان المزهرة تتوق إلى الأشرعة البيضاء
زورقك المركون إلى يسار البيت،
وكأن الشيخوخة بدأت تدبّ
في أوصاله الواهية
المجاذيف باهتة ومقشّرة من الألوان…
سيد «همنغواي»
ألا تحنّ إلى أشيائك التي
تركتها على إثر طلقة واحدة؟!
ما حاجة هذه التلة لمجاذيفك التي تركت؟!
هي لن تبحر…
ولن تفكّر في الرحيل أبدًا…
أرض كوبية وستبقى،
ولن تغادر كوبا…
رائحة عشيقاتك تبخّرت
كما زجاجات «روم» فارغة
قبرا الكلبتين
كأن العشب نبت فوقهما في الربيع الفائت
وذوى في هذا الخريف بلا مبالاة…
سيد «همنغواي»
تلك الأشجار الواقفة قبالة البحر
تشكو وحدتها،
ولا أشرعة في البعيد…
اليقظة تبدّد الأحلام
أسماك القرش تجوب بحار العالم
والموتى مؤكد أنهم
لن يعودوا أبدًا…
لن يعودوا.
هافانا – كوبا / 29 – 3 – 2013




