أدب وفن

سمية تكجي : حنين الصايغ اقتحمت مجد الرواية في أول عمل”رواية” ميثاق النساء

سمية تكجي*

حنين الصايغ اقتحمت مجد الرواية في أول عمل
“رواية” ميثاق النساء
ل حنين الصايغ الصادرة عن دار الآداب
عدد الصفحات :392

تناول الكثير من النقاد رواية ” ميثاق النساء” في قراءاتهم و حظيت بالكثير من الإحتفاء في عالم الأدب ، كما ترجمت للغة الالمانية و حصدت اهتماما ملحوظا .
كما تم مؤخرا مناقشة الرواية على منصة” الساردون يغردون بحضور عدد من النقاد واهل الأدب

والجدير بالذكر ان رواية “ميثاق النساء ” وصلت الى اللائحة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية 2025


بعرق معتق بالتجربة ، و انفاس معجونة بالمعاناة و من قطوف وجود يضيق و يتسع و من صناديق الحياة المغلقة على السر و المقدس ، تكسر رواية حنين الصايغ الحواجز ، الصمت، الجمود و الجدران
عن المرأة المهمشة, عن الدين بوجهه القاسي ، عن عادات بالية بألف وجه ، عن زواج القاصرات و جراح الطفولة و ندوبها
منطقة محددة جغرافيا و دينيا هي قرية عينصورة و المجتمع الدرزي و البطلة الرئيسية أمل بو نمر و نشأتها في كنف أب قاس و أم خاضعة و عادات مجتمعية تنظر للمرأة نظرة ضيقة تنحصر في الزواج و الإنجاب تبدأ امل مسارها الطويل تصارع كل ما حولها و تصارع نفسها كي تستنهضها في كنف زوج يرى فيها رمزا للجنس و لا يكترث لكيانها و روحها .

الرواية و الوفاء للشعر
حنين الصايغ شاعرة و في رصيدها عدة دواوين لكنها سجلت حضورها كروائية بقوة في روايتها البكر “ميثاق النساء “

يحدث ان الكاتب يتعدد و يرحل الى أماكن لا قبل للشعر ان يحيط بها و يحدث ان يرغب الكاتب ليكون مباشرا و دالا على الجرح بالإصبع و ليس بالمجاز و التأويل فيذهب الى الرواية.
الكثير من الروائيين بدأوا شعراء و الأمثلةكثيرة من لبنان الى العالم العربي و الغربي
قيل مرة ان رواية خريف البطريرك لماركيز هي قصيدة ضخمة ، لكن رواية حنين الصايغ ليست قصيدة ضخمة بالرغم من وفائها للشعر في الكثير من محطات الرواية
كثافة المشاعر في الشخصيات شاعري بمكان ما ،
رحلة البطلة عبر دواخلها .شاعري جدا. تطرق الكاتبة الى موهبة أمل في الشعر هو ايضا وفاء للشعر .

حنين اليافعة و الرواية المنتصرة
حنين الصايغ كاتبة يافعة لكنها انضجت تجربة روائية لفتت الإنتباه و حققت شهرة و فوزا و نالت عصفا فكريا و نقديا و ذلك يجعلنا نستذكر رواة حققوا هذا الأمر في روايتهم الأولى
على سبيل المثال Emily Bronte و رواية las cumbres borrascosas. القمم العاصفة و

Francoise Sagan
في روايتها “صباح الخير ايتها التعاسة”
و غيرهم الكثير
حنين تحمل في داخلها صوتا روائيا وقورا كأنه كبر في حيوات كثيرة رغم صغر سنها فبماذا تلاقح هذا الغصن الطري حتى انضج تلك الثمار ؟
و طبعا هذه الإرتدادات الجميلة التي نالتها الرواية تضع حنين الصايغ في اختبار ما يسمى تحدي الإبداع بالنسبة لأعمالها اللاحقة .
عن الدين و عن ندوب الطفولة
لكل دين صندوقه الأسود و الصندوق الأسود للدين الدرزي الذي تناولته حنين الصايغ في روايتها ” ميثاق النساء ” هي العادات البالية الجامدة التي تتراكم في المجتمع مع مرور الزمن و تصبح مقدسة شديدة القسوة و غير قابلة للإختراق و ذلك بفعل الفهم الخاطىء و انعدام النقد و فضيلة الشك .كان يمكن لأمل ان تكون من دين آخر و تعاني ما عانته لو قدر لها أن تعيش نفس شروط الحياة الصعبة فتلك المسارات التي قطعتها منذ الطفولة حيث كانت البطلة أمل بونمر كما كيس الملاكمة تتلقى هذه الضربات القاسية التي سببت لها ندوبا شفيت ظاهريا لكنها بقيت في روحها تنزف طوال الحياة، برعت الكاتبة في سرد رحلة بناء وعي الذات فحاربت على جبهات متعددة و خاضت حروبا قاسية
ضد الخوف ، احساس التناقض و الشعور بالدونية
في هذا الفضاء بالذات كان القارىء يحبس انفاسه وفقا لحركة البطلة على متن الرواية و تمظهرت الحمولة السيكولوجية للأبطال و هذا الملعب هو الأجمل للقارىء حين تمكنه الكلمات من الدخول الى اعماق الشخصيات و اكتشاف بماذا تفكر ؟ ماذا تضمر ؟ و من ثم ماذا قالت في الواقع و هذا التناقض يمنح الشخصية جاذبية و غموضا و يمارس على القارىء اهتزازات للأفكار و الأسئلة .
كذلك كانت عقدة الدونية على طاولة السرد
آلفريد آدلر الذي وضع مفهوم الدونية و الفوقية في محرك البحث قال : ان شعور الدونية موجود في داخل كل انسان ،فإذا اصبح هذا الإحساس حافزا يدفعنا الى بذل قصارى جهدنا ، كان لنا عونا على تحقيق الذات و ترجمة الطموح الى افعال و اذا خضعنا له و استسلمنا ، سوف يسحقنا و يمنع تقدمنا .
و هذا الرسم البياني المتحرك عالجته الكاتبة بعمق و احساس عاليين ، فكدنا نسمع نبضها و تأتاة كلماتها ثم انسكاب شجاعتها في المشاهد الكثيرة التي تطلبت هذا الصراع .

الخاتمة

الرسالة في نهاية الرواية من البطلة أمل بو نمر لطفلتها رحمة التي كتبت لها اهداء الرواية : إلى إبنتي …”أعذريني لأني لم أكن أبدا بكاملي معك .أنا أربيك يا صغيرتي و أربيني ، سامحيني” و هذه الرسالة هي تعبير صادق و اعترافات كثيرة سردتها البطلة الى طفلتها ذات السنوات السبعة كتفسير مؤجل تقرأه حين يصبح ادراكها على مستوى محتوى الرسالة …فتترك الكاتبة الرواية مفتوحة ربما على جزء ثان ربما تحضر له الكاتبة حين تختمر ثم تكتمل الافكار …و الرسائل المكتوبة هي قبلٌ للروح ، تمتاز بالصدق و بحمولة مكثفة من المشاعر و الرسالة في آخر الكتاب و لو انها تركت الباب مفتوحا على الإحتمالات و لكنها هزت القارىء بوابل من الأسئلة و احدثت عصفا في الأفكار …

*شاعرة و قاصّة لبنانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى