ما وراء الحلم/ بقلم القاصّة هند يوسف خضر-سوريا

ما وراء الحلم
كانت الظلال تتحرك ببطء كأنها تنتظر بوحاً مؤجلاً، طرقات مزدحمة، ضجيج يعلو شيئاً فشيئاً فيتسبب بألم في الأذن، ألوان غريبة تملأ المكان، أصوات تتداخل ببعضها كخيوط العنكبوت، أشياء تتحرك وفق قوانين، صبيان يأخذون زاوية في الشارع، يتهامسون، يتمتمون بكلمات لا يستطيع فك شيفرة حروفها، يدلون عليه بسبابتهم دون أن يدعوه للانضمام إليهم، مسافة صغيرة لا تتجاوز بضعة أمتار لم يجرؤ مجد على اقتحامها، ضوء من بعيد يتراءى له، يحاول الاقتراب منه فيتبدد أمامه وكأنه طرف خيط أفلت من يده، يجلس على حافة و يتأمل كل ما حوله بصمت، في الصباح يستيقظ مثقلاً بالرغبات، يحاول أن يروي حلمه لأهله فلا يجد من يصغي إليه، تضيق به السبل فيقترب من زملاء صفه كي يحكي لهم عن الحلم فتبدو كلماته غريبة بالنسبة لهم أو كأنهم يتمنعون عن فهمها، يتهمونه بالمبالغة أو باختلاق الأحلام من الفراغ، يبتعدون عنه ويؤشرون بأصابعهم إليه ويتبادلون الضحكات بصوت عال…
في كل ليلة يخشى من رؤية الحلم نفسه فيتردد كثيراً قبل أن يستسلم للنوم، يغمض عينيه فيراه مجدداً، بعد مرور فترة من الزمن جلس في المساء على طرف السرير، بدا عليه أنه لا يخشى أي شيء، يستعد كي يسلم نفسه لملك النوم ولكن هذه المرة من المؤكد أنه سينهض بخفة، كان الهدوء يسود الغرفة، بدا الضوء جلياً، حاول مجد الاقتراب منه فوجده ثابتاً في مكانه على غير العادة، ابتسم وكأنه وجد الفكرة التي هربت من رأسه، تذكر صاحبة الظل الخفيف التي بددت مخاوفه بقدومها، إنها زميلته ملاك التي كانت تراقبه عن بعد، ما إن اقتربت منه حتى تلاشى الضجيج، هدأت الألوان، اختفت الظلال، كبرت المسافة الصغيرة، لم يعد يشعر أن رغباته عبئاً عليه في حضورها، لم يعد الحلم مكاناً للخوف بل مساحة للاحتواء، أخيراً، وجد يداً لصديقة لم تسحبه من الحلم بل علمته عدم الغرق فيه.
هند يوسف خضر…سوريا




