أسد رستم “تعاونتُ مع د. فؤاد البستاني بتشجيع من صاحب “النهار” (جبران تويني)”

أسد رستم “تعاونتُ مع د. فؤاد البستاني بتشجيع من صاحب “النهار” (جبران تويني)”
مارلين سعاده*
بهمّة “مؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية” صدر الجزء السادس من أعمال أسد رستم (مواليد الشوير – لبنان 1897 – توفي 1965) مؤرّخ الكرسي الأنطاكي، وأوّل من حصل في الوطن العربي على لقب “دكتور في التاريخ” من جامعة شيكاغو؛ عنوان الإصدار “بين أوراق أسد رستم”، وهو من منشورات بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأورثوذكس؛ جمعَتْه وقدّمت له كريمته الدكتورة لميا رستم شحاده، طبعة أولى سنة 2025، من 656 صفحة.
كما يشي العنوان، الكتاب يحتوي نصوصًا تمّ جمعها من بين أوراق المؤرّخ، وفرزُها وتقسيمها تبعًا لمحتواها، فشكّلت سبعة أبواب متعدّدة الفصول. خُصّص الباب الأوّل “رُستميّات” للحديث عن حياة المؤرّخ وآرائه وخِبْراته (عمل في بنك انترا كمستشار فنّي خبير في الإمضاءات والتزوير – ص 81). ويشمل الباب الثاني “حضارات” نصوصًا يشرح فيها كيفيّة تقدّم الحضارات عبر العصور، لا سيّما الحضارة اليونانيّة والهلينية والرومانية… ثم يأتي الباب الثالث بعنوان “لبنانيّات” ليسلّط الضوء على تاريخ وطنه الأم؛ وكأنّ الحضارات السابقة ما ذُكرت إلا تمهيدًا للحديث عن لبنان وآثاره القديمة والجديدة، وتراثه المجيد، وفنونه وثقافته ومدارسه، وشخصيّاته البارزة، من زينون الفيلسوف الى الإمام الأوزاعي الى قسطا بن لوقا… وصولا الى مدرسة الموارنة في رومة، وأولى المطابع العربية في الشرق 1610 (مطبعة دير مار أنطونيوس قزحيا في شمال لبنان).
مع تصفّح الكتاب تفوح من أوراقه رائحة التاريخ المختبئ بين طيّاته، فتشدّنا لمعرفة المزيد وهي تنقلنا من زمن الى آخر، ومن حدث الى حدث، منها ما خُصّص للعرب “عربيّات” (الباب الرابع)؛ ومنها ما سلّط الضوء على “الدينيّات” (الباب الخامس)؛ أمّا الباب السادس فعنوانه “تقريظ وانتقاد”؛ وفي الختام خُصّص الباب السابع لمقالات أسد رستم بالإنكليزيّة.
تنقل لنا أوراق أسد رستم صورةً واضحة المعالم عن شخصيّتة الفذّة المُحبّة للعلم، كما نلمح طيف والدته التي رغم أمّيّتها أصرّت على التحاقه بالجامعة مهما كان الثمن، فاعتبر الفقر نعمة… تعكس مدوّناته انفتاحه على الآخر المختلف، وإيمانه “أن النعمة الإلهية، لا تقسر الناس قسرًا، وإنما تعمل فيهم عمل النور في الهواء فتخرق نفوسهم لتعطيهم حرارة وإشعاعًا.” (ص 30)؛ كما تُظهر وطنيّته، فبعدما أنهى إحدى عشرة سنة في خدمة الجيش اللبناني وهو في سن الخامسة والستين، اعتبر نفسه قد أحيل لا الى التقاعد بل الى الاحتياط، مقدّمًا خدماته للجيش من دون أي مقابل.
شدّد أسد رستم في المقابلات التي أجريت معه على عُروبة لبنان، قائلًا: “إنّ لبنان وسائر الأقطار الشاميّة كانت قد استعربت قبل الفتح الإسلامي وقبل الميلاد…” (ص 46) و”أنّ النصارى في الأقطار العربية ولا سيما في لبنان كانوا أول من تغنّى بالعروبة في العصور الحديثة… ثم ليوسف بك كرم الماروني اللبناني رسالة في العروبة وجّهها الى كل من تكلّم باللغة العربية يحضّه فيها على التضامن والتكاتف في سبيل الاستقلال”. (ص 87) كما أشار إلى أنّ “الحكومة اللبنانية هي الحكومة الوحيدة في الأقطار العربية التي استمسكت باللغة العربية وأبت أن تستعمل غيرها لغة رسمية”. (ص 108)
أمّا عن عمله البحثيّ ومؤلّفاته فيقول: “تعاونت مع الدكتور فؤاد البستاني بتشجيع من صاحب “النهار” (جبران تويني) وكان آنئذ وزيرًا للمعارف، فنشرنا ثلاثة مجلدات عنوانها “لبنان في عهد الأمراء الشهابيين”. ومجلّدًا رابعًا عنوانه: “لبنان في عهد الأمير فخر الدين المعني”. وحين تولى د. فؤاد البستاني رئاسة الجامعة اللبنانية أسند إليه كرسي التاريخ القديم، فوضع عددًا من الكتب التاريخية منها ثلاثة مجلدات بعنوان: “كنيسة مدينة انطاكية العظمى”. (ص 64).
سعى أسد رستم لتوجيه طلّابه ليعملوا بحِرفيّة وموضوعيّة، وكانت له نظرته الخاصّة، فبرأيه “المؤرّخ يدرس الماضي لمجرّد فهم الماضي لا ليفهم الحاضر ويعلّق عليه ويتنبّأ بالمستقبل”. أيضًا يقول: “إنّ الأصل في التاريخ الاتهام لا براءة الذمّة… فشكُّ المؤرّخ رائدُ حكمته”. (ص 65 و 147 و161) وهو يعتبر أنّ نسبة اللبنانيين العارفين تاريخ لبنان الحقيقي هي صفر، وأنّ “تاريخ لبنان العلمي لم يُكتب بعد.” (ص 66).
هذا غيض من فيض ما تضمّنته أوراق أسد رستم، فما عليك، إن شئت أن تستزيد، إلا أن تغوص فيها.
*شاعرة وناقدة لبنانية
المصدر : النهار




