أدب وفن

مطالعة في قصيدة “الريح مذعورة” للشاعرة سمية تكجي بقلم د. عبدالكريم بعلبكي

مطالعة في قصيدة “الريح مذعورة” للشاعرة سمية تكجي
بقلم د. عبدالكريم بعلبكي

تنهض هذه القصيدة على بنيةٍ ميتاشعرية تجعل من فعل الكتابة ذاته موضوعًا للتأمل والتفكيك، حيث تحوّل الشاعرة سمية تكجي الصفحة البيضاء من فضاءٍ صامت إلى كيانٍ مقاوم، يثير الذعر في الريح ويكشف هشاشة اللغة أمام احتمالات العجز والتكوّن. فالريح، بما تمثّله من حريةٍ وانطلاق، تصرخ حين تصطدم بالبياض، في إشارةٍ إلى لحظة المواجهة الأولى بين الرغبة في القول وفراغ الإمكان، حيث يصبح الصمت خصمًا خفيًا للبوح.

وتتعمّق هذه الرؤية عبر صورة “فزاعة العصافير” التي تجثو على ركبتيها، في مفارقةٍ دلالية لافتة؛ إذ يتحوّل الكائن الذي وُجد ليبثّ الخوف إلى كيانٍ منكسر، عقيم، فاقدٍ لوظيفته الرمزية. هنا، يتجاوز العقم بعده الفيزيائي ليغدو عقمًا إبداعيًا، حيث يتراكم “الثلج فوق الثلج” بوصفه استعارةً لتراكم الصمت، وإعلانًا عن زمنٍ ممتدّ من الانتظار والجمود، كأن الذات تقف على تخوم القول دون أن تعبره.

وتبلغ القصيدة ذروتها الرمزية في صورة “الشاعر الذي طبع قصائد مصابة بالتوحد”، حيث تعيش كل قصيدة عزلتها في جزيرتها الخاصة. هذه الصورة الكثيفة تكشف وعيًا عميقًا بتفكك التجربة الشعرية الحديثة، حيث لم يعد النص وحدةً متماسكة، بل جزرًا منفصلة، لكلٍّ منها وحدتها الداخلية واغترابها الخاص. إنه شعرٌ يعكس عزلة الذات المعاصرة، ويجعل من الانفصال شرطًا لرؤية أكثر صفاءً، وإن كانت أكثر ألمًا.

غير أن الشاعرة تكجي تنقل القصيدة من هذا الأفق البارد إلى مساحةٍ وجدانية أكثر حميمية، حيث تتخاطر الدموع والضحكات، في تماهٍ يكشف وحدة الأضداد داخل الذاكرة. ويأتي الوقوف الطويل تحت المطر بوصفه طقس تطهّرٍ وتأمل، حتى تفقد الأشياء إيحاءها، ويغدو الغروب مكشوفًا بلا غموض، وكأن الشعر يعرّي العالم ليعيد اكتشافه من جديد.

في المقطع الختامي، تستعيد الذات تماسّها مع الصفحة البيضاء، لكن هذه المرّة دون رهبة. تتحسّس غمازتها، بوصفها علامة حضورٍ حيّ، وتبتسم وترتشف قهوتها على مهل، ثم تطوي الصفحة. إن هذا الطيّ لا يدلّ على نهاية، بل على اكتمال دائرة التجربة؛ فالشاعرة لا تهرب من البياض، بل تصادقه، وتحوّل القلق إلى طمأنينة، والفراغ إلى فضاءٍ ممكن.

بهذا، تقدّم سمية تكجي تجربة شعرية واعية بذاتها، تتخذ من البياض رمزًا، ومن العزلة أفقًا للرؤية، ومن الكتابة فعل مصالحةٍ مع الداخل. لغتها مكثفة، وصورها تنتمي إلى حساسية حداثية ترى في الشعر كشفًا لا وصفًا، وعبورًا من ظاهر الأشياء إلى جوهرها، حيث تصبح الصفحة البيضاء بدايةً أخرى، لا نهاية.

القصيدة

الريح مذعورة
صرخت
حين اصطدمت
بالصفحة البيضاء
و جثت
فزاعة العصافير
على ركبتيها
عقيمة …أحست نفسها
و الشتاء راكم ثلوجا
فوق ثلوج على ثوبه
اعلانا لشتاء طويل
ثمة شاعر طبع قصائد
مصابة ب التوحد
تعيش كل قصيدة عزلتها
على جزيرة
قصيدة ………….
………….
…………..
………..
……….
…………….
…………..
ثم قصيدة
أتذكر
تخاطرت يوما
دموعنا
و تخاطرت ضحكاتنا
ثم…..
اطالت الوقوف تحت المطر
فضجرت ألوان قوس قزح
و الغروب
فقد احساس الغموض
بلا إيحاء
بات
بعد ان رحلت الغيوم باكرا
ربما بالحلم …لا اعلم
ربما باليقظة
رأيت الصفحة البيضاء
فتحسست غمازتي
على الخد الأيسر
لم تزل مكانها
ابتسمت ابتسامة عريضة
ارتشفت قهوتي
على مهل
و طويت الصفحة

الشاعرة سمية تكجي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى