منتديات

الصومُ مدرسةٌ أخلاقيةٌ كبرى ‏

الصومُ مدرسةٌ أخلاقيةٌ كبرى ‏
___________
بقلم: المحامي عمر زين*

مع إطلالة هلال رمضان، تتبدّل ملامح الزمن في وجدان المسلمين؛ يرقّ القلب، وتلين القسوة، ‏ويستيقظ الضمير كأنما يُغسل بنورٍ سماويٍّ خاص. إنه شهرٌ ليس كسائر الشهور، شهر الصيام ‏والقيام، شهر القرآن والغفران، شهرٌ جعله الله محطةً سنوية لمراجعة النفس وتقويم السلوك وإعادة ‏ترتيب الأولويات‎.‎ رمضان ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو امتناعٌ عن كل ما يفسد القلب قبل أن ‏يفسد الصوم. الصوم مدرسة أخلاقية كبرى، تتجاوز الجسد إلى الروح، وتسمو بالإنسان من ظاهر ‏العبادة إلى حقيقتها. وما أصدق قول نبي الإسلام محمد ﷺ في التحذير الصارم‎: ‎«‎رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش‎». حديثٌ تهتزّ له القلوب، لأنه يضعنا أمام سؤالٍ مرعب: ألسنا معنيين بهذا الوعيد؟ ألسنا مهدّدين بأن ‏يكون نصيبنا من الصيام مجرد الحرمان الجسدي، إن لم يُصلِح الصوم أخلاقنا وسلوكنا؟ كيف تصوم وأنت كاذب؟‎ كيف تصوم وأنت منافق؟‎ كيف تصوم وأنت سارق؟‎ كيف تصوم وأنت خائن للأمانة؟‎ كيف تصوم وأنت تملأ المجالس نميمةً وشتيمةً وبهتانًا؟‎ كيف تصوم ولسانك يجرح، وقلبك يحقد، ويدك تمتد إلى ما ليس لك؟ إن الكذب ليس مجرد لفظة عابرة، بل خيانة للحقيقة، وهدمٌ لجدار الثقة الذي يقوم عليه المجتمع. ‏والنفاق ليس اختلافًا في الرأي، بل ازدواجية تُفسد الضمير. والسرقة ليست اعتداءً على مالٍ ‏فحسب، بل طعنٌ في أمن الناس وحقوقهم. أما الحقد والنميمة والشتيمة، فهي أمراضٌ تفتك بروح ‏الجماعة، وتحوّل الصيام من عبادة تزكية إلى عادة شكلية‎.‎ رمضان دعوة مفتوحة إلى التوبة الصادقة. هو فرصةٌ لإغلاق دفاتر السوء، وتمزيق صفحات ‏المعاصي، والبدء من جديد. ليس المقصود أن نخرج من الشهر ببطونٍ جائعة وأجسادٍ منهكة، بل ‏بقلوبٍ نقية، وألسنةٍ صادقة، وأيدٍ أمينة، ونفوسٍ متسامحة‎.‎ الصوم الحقيقي هو الذي يردع صاحبه عن الظلم، ويمنعه من أكل أموال الناس بالباطل، ويكفّ ‏لسانه عن الغيبة، ويطهّر قلبه من الحسد. الصوم الذي لا ينهى عن الفحشاء والمنكر صومٌ يحتاج ‏إلى مراجعة. لذلك كان السلف يعدّون حفظ اللسان أصعب من حفظ البطن، لأن معاصي اللسان ‏أسرع انزلاقًا وأشد أثرًا‎.‎ أيها الصائمون، إن الجوع الذي لا يورث تقوى، والعطش الذي لا يثمر رحمة، تعبٌ بلا ثمرة. فلا ‏تجعلوا الحديث النبوي وعيدًا يطالكم، ولا تسمحوا أن تكونوا ممن يُقال فيهم: صاموا وما صاموا. ‏اجعلوا من رمضان ثورةً أخلاقية على ذواتكم قبل أن يكون احتفالًا موسميًا‎.‎ اغسلوا قلوبكم قبل أيديكم، وصفّوا نياتكم قبل موائدكم، وردّوا المظالم قبل انتظار المغفرة. فمن أراد ‏أن يقف ليلة العيد فرحًا، فليدخل الشهر صادقًا. ومن أراد القبول، فليبدأ بالإقلاع عن المعاصي، ‏وإصلاح ما بينه وبين الناس، قبل أن يطلب إصلاح ما بينه وبين ربه‎.‎ رمضان ليس زمنًا للادعاء، بل زمنٌ للصدق‎. ليس موسمَ مظهر، بل ميدانَ مخبر‎. ليس امتناعًا عن الطعام فقط، بل امتناعًا عن كل ما يُغضب الله‎.‎ فكيف تصوم وأنت معتد على حقوق الله؟‎ كيف تصوم وأنت معتد على حقوق أهلك وأخوتك وأقاربك؟‎ كيف تصوم وأنت معتد على حقوق جيرانك؟‎ كيف تصوم وأنت معتد على حقوق الأيتام والأرامل؟ أسئلة ينبغي أن تظلّ معلقًة في ضمير كل واحدٍ منا، حتى لا نكون — والعياذ بالله — ممن شملهم ‏الحديث النبوي: «رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش‏‎».‎ نسأل الله أن يجعل صيامنا صيام صدقٍ وتقوى، وأن يبلغنا رمضان بقلوبٍ طاهرة، وأعمالٍ ‏صالحة، وأخلاقٍ تُجسّد حقيقة الإسلام كما أرادها الله: رحمةً وعدلًا وصدقًا وأمانة، اللهم آمين آمين ‏آمين. ‏ ‏

‏* ‏ الأمين العام السابق لاتحاد المحامين العرب‏
بيروت في 17/2/2026‏

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى