أدب وفن

البشير عبيد : مأزق النخب العربية و انسداد الأفق التاريخي

مأزق النخب العربية وانسداد الأفق التاريخي

البشير عبيد*

لم تعد الأزمة العربية الراهنة قابلة للاختزال في تعثّر سياسي أو فشل اقتصادي أو صراع سلطوي عابر، بل غدت حالة انسداد تاريخي شامل، تتقاطع فيها أزمات الدولة مع أزمات المجتمع، ويتداخل فيها انهيار الواقع مع عطب الوعي ذاته. نحن إزاء زمن عربي ثقيل، تتآكل فيه المعاني الكبرى، وتفقد المفاهيم قدرتها على الإقناع والتعبئة، بينما يتقدّم الخراب بوصفه واقعًا يوميًا لا يحتاج إلى تبرير. في قلب هذا المشهد، تبرز النخب العربية بوصفها أحد أكثر الأسئلة إلحاحًا وإرباكًا: أين كانت؟ وأين أصبحت؟ ولماذا تبدو عاجزة عن ملامسة عمق اللحظة، فضلًا عن فتح أفق للخروج منها؟
لم يعد مأزق النخب العربية مجرّد نتيجة عرضية للقمع أو الاستبداد أو التدخل الخارجي، بل تحوّل إلى بنية قائمة بذاتها، أعادت إنتاج العجز، وطبّعت مع الانسداد، وشرعنت الصمت أو التواطؤ أو الهروب إلى اللغة. وهنا بالضبط يصبح السؤال حول النخبة سؤالًا وجوديًا لا أخلاقيًا فقط، لأن النخبة التي تفقد قدرتها على الفعل والتخيّل، تفقد مبرّر حضورها التاريخي.

النخبة العربية وسؤال الدور التاريخي

في لحظات التحوّل الكبرى، كانت النخبة العربية فاعلًا أساسيًا في إنتاج الوعي وصياغة المشروع العام. لم تكن النخبة مجرّد فئة متعلّمة أو نخبة خطابية، بل كانت حاملة لسؤال المصير، ومشغولة بإعادة تعريف الذات الجماعية في مواجهة الاستعمار والتخلّف والتبعية. من مشاريع النهضة الأولى إلى حركات التحرّر الوطني، أدّت النخب دور الوسيط بين المجتمع والتاريخ، بين الحلم والواقع، وأسهمت في بلورة سرديات جامعة أعطت للسياسة معناها، وللثقافة وظيفتها.
غير أن هذا الدور بدأ يتآكل مع تشكّل الدولة الوطنية العربية بصيغتها السلطوية المغلقة. فمع احتكار السياسة، وتجفيف المجال العام، وتحويل الثقافة إلى نشاط مروّض، أُفرغت النخبة من وظيفتها النقدية، وأُعيد تعريفها إمّا بوصفها أداة تزيين للسلطة، أو معارضًا بلا أدوات فعل حقيقية، أو مثقفًا منفيًا داخل لغته. ومع مرور الزمن، لم يعد هذا الوضع استثناءً، بل تحوّل إلى قاعدة مستقرة.
الأخطر من ذلك أن قطاعات واسعة من النخب نفسها استبطنت هذا الدور المبتور، وتكيّفت معه، بل دافعت عنه أحيانًا تحت عناوين الواقعية أو الحكمة أو تجنّب الفوضى. وهكذا تحوّل العجز من حالة مفروضة إلى خيار ضمني، ومن أزمة ظرفية إلى نمط اشتغال دائم. ولم يعد السؤال: لماذا أُقصيت النخب؟ بل: لماذا قبلت بهذا الإقصاء، ولماذا عجزت عن ابتكار أشكال جديدة للفعل والتأثير؟

انسداد المرحلة وتحولات السياق العربي

المرحلة العربية الراهنة تختلف نوعيًا عن سابقاتها، ليس فقط من حيث حجم الأزمات، بل من حيث طبيعتها المركّبة. نحن أمام دول مأزومة في شرعيتها ووظيفتها، ومجتمعات منهكة اقتصاديًا ونفسيًا، وفضاء إقليمي مفتوح على التدخلات والصراعات، وقضايا مركزية تُدار ببرود أخلاقي غير مسبوق. في هذا السياق، لا يعود الانسداد مجرّد استعارة، بل واقعًا تاريخيًا ملموسًا.
هذا الانسداد لا يعبّر فقط عن غياب الحلول، بل عن غياب القدرة على تخيّل الحلول أصلًا. وهنا تتجلّى إحدى أخطر أزمات النخب العربية: العجز عن مواكبة التحوّلات العميقة في بنية العالم، وفي طبيعة الصراع، وفي مفهوم القوة والسيادة. فما زالت قطاعات واسعة من النخب تستعمل أدوات تحليل قديمة، وتستدعي مفاهيم استُهلكت، وتتعامل مع عالم متحوّل بعقلية ساكنة.
النتيجة أن الخطاب النخبوي يبدو متأخرًا عن اللحظة، عاجزًا عن تفسيرها، فضلًا عن التأثير فيها. ومع كل تأخير في الفهم، يتعمّق الانسداد، لأن الزمن لا ينتظر من لا يقرأه. وهكذا، تصبح النخبة جزءًا من الأزمة المعرفية، لا أداة لتفكيكها.

القطيعة بين النخب والمجتمع

من أخطر نتائج هذا المسار الطويل، اتساع الهوّة بين النخب والمجتمع. لم تعد النخبة قادرة على مخاطبة الناس بلغة قريبة من واقعهم، ولا على التعبير عن مخاوفهم وتطلّعاتهم، بل بات خطابها إمّا تجريديًا مغلقًا، أو تقنيًا باردًا، أو أيديولوجيًا متخشّبًا. في المقابل، يعيش المواطن العربي تحت ضغط يومي يمسّ لقمة عيشه وكرامته وأمنه الوجودي.
في هذا السياق، فقد المجتمع ثقته في النخب، ولم يعد يرى فيها أفقًا أو قيادة أو سندًا أخلاقيًا. لم تعد النخبة تُستدعى في لحظات الخطر، ولم يعد رأيها مرجعية جامعة. وهكذا نشأت قطيعة مزدوجة: نخبة بلا جمهور، وجمهور بلا بوصلة فكرية. وهذه القطيعة ليست تفصيلًا عابرًا، بل مأساة تاريخية، لأن أي مشروع تحوّل أو نهضة يفترض وجود علاقة حيّة بين الفكر والناس.
في غياب هذه العلاقة، يفرغ المجال العام من مضمونه، وتصبح الساحة مفتوحة أمام الشعبوية أو العنف أو الاستسلام. وهنا يتجلّى الثمن الحقيقي لفشل النخب، لا بوصفه فشلًا نظريًا، بل بوصفه كلفة اجتماعية وتاريخية باهظة.

إعادة طرح سؤال النخبة والبديل الممكن

الخروج من هذا المأزق لا يكون عبر إنتاج نخبة بديلة بالمعنى الشكلي، ولا عبر استعادة خطابات قديمة أثبتت فشلها، بل عبر إعادة تعريف عميقة لمفهوم النخبة ودورها. النخبة المطلوبة اليوم ليست نخبة وصاية ولا نخبة شعارات، بل نخبة نقدية، أخلاقية، مستقلة، تدرك أن معركتها الأساسية هي معركة المعنى.
هذه النخبة لا تنفصل عن المجتمع، ولا تدّعي تمثيله من موقع فوقي، بل تنخرط في همومه وأسئلته، وتعيد بناء الثقة معه عبر الصدق والشجاعة والاستعداد للمراجعة. نخبة تعي أن استقلالها شرط وجودها، وأن انحيازها يجب أن يكون للإنسان، لا للسلطة ولا للمحاور ولا للمصالح الضيّقة.
قد يبدو هذا الطرح صعب التحقّق في ظل الشروط الراهنة، لكنه يظلّ الخيار الوحيد الممكن. فغياب النخبة النقدية لا يملأه الفراغ، بل تملؤه قوى أشد خطورة: الاستبداد، الفوضى، أو التبعية. وبين هذه الخيارات، لا يملك العقل العربي ترف التردّد.

بين الانسداد وإمكان المعنى

إن انسداد الأفق التاريخي العربي ليس قدرًا محتومًا، لكنه يتحوّل إلى قدر حين تستسلم النخب لعجزها، وتفقد شجاعتها في مساءلة ذاتها. ما نعيشه اليوم هو لحظة امتحان قاسية، ليس للأنظمة وحدها، بل للنخب قبلها. فإمّا أن تستعيد هذه النخب دورها بوصفها قوة وعي ونقد واقتراح، وإمّا أن تواصل التآكل حتى تفقد مبرّر وجودها التاريخي.
التاريخ لا يُغلق دفاتره دفعة واحدة، لكنه لا ينتظر من يتأخّر عن طرح الأسئلة الكبرى. وفي زمن عربي مثخن بالجراح، يبقى المعنى آخر خطوط الدفاع. فإذا تخلّت النخب عن هذا المعنى، تخلّت عن نفسها.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يتعلّق فقط بإصلاح السياسة أو تجديد الخطاب، بل بإعادة الاعتبار للفكر بوصفه قوة فعل لا ترفًا ثقافيًا. فحين تنكفئ النخب عن التفكير الجذري، وتكتفي بإدارة اللغة بدل مساءلة الواقع، تتحوّل من فاعل تاريخي إلى شاهد عاجز. والمشكلة أن الشهادة، حين تطول، تتحوّل إلى تواطؤ صامت، حتى وإن حسنت النيّات.
لقد أثبتت التجربة العربية المعاصرة أن المجتمعات، مهما بدت منهكة، لا تفقد قدرتها على التفاعل مع الأفكار الصادقة، لكنها تفقد ثقتها سريعًا في النخب التي لا تشبهها، أو التي تتحدّث باسمها دون أن تنصت لنبضها. من هنا، فإن استعادة دور النخبة تمرّ حتمًا عبر استعادة الأخلاق الفكرية: الصدق مع الذات، الجرأة في النقد، والاستعداد لدفع ثمن الموقف. فلا فكر بلا كلفة، ولا معنى بلا تضحية.
في زمن الانسداد، لا يُطلب من النخب أن تقدّم وصفات جاهزة، بل أن تفتح الأسئلة المغلقة، وأن تذكّر بأن التاريخ لا يصنعه المنتصرون وحدهم، بل أولئك الذين يرفضون التطبيع مع الهزيمة. وحدها النخب التي تمتلك شجاعة هذا الرفض يمكنها أن تساهم في كسر الحلقة المفرغة، وأن تعيد وصل ما انقطع بين الوعي والواقع، بين الفكر والحياة. عندها فقط، يصبح الأفق، مهما بدا ضيّقًا، قابلًا لأن يُفتح من جديد.

*كاتب صحفي و باحث تونسي مهتم بقضايا التنمية و المواطنة و النزاعات الإقليمية و الدولية و آخر تطورات الصراع العربي/ الصهيوني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى