منتديات

حين يضيق الأفق… يتّسع اليقين

حين يضيق الأفق… يتّسع اليقين

في زمن تتكسّر فيه الطمأنينة على صخور الخوف، وتضيق فيه الأنفاس حتى يكاد القلب ينسى إيقاعه، يصبح الأمل فعلاً من أفعال الشجاعة، لا مجرد شعور عابر. نحن لا نعيش لحظة عادية من التاريخ، بل نقف في اختبارٍ قاسٍ، تُمحَّص فيه الأرواح: من يثبت، ومن ينهار؛ من يرى بنور اليقين، ومن يضلّ في عتمة الظنّ.
الحرب لا تقتحم الأرض وحدها، بل تتسلّل إلى الداخل؛ إلى الأفكار، إلى النبض، إلى تلك المساحة الخفيّة في الإنسان حيث يسكن خوفه الأكبر. هناك، تحديدًا، تبدأ المعركة الحقيقية. فإمّا أن يستسلم القلب لليلٍ كالح لا أفق له، أو يُجاهر بإيمانٍ راسخ ويقول: لن يطول هذا الظلام.
إن الطمأنينة في مثل هذه الأزمنة ليست هبة سهلة، بل موقف وجودي عظيم؛ أن تقف على حافة القلق ولا تسقط. أن ترى الخراب، ولا تفقد إيمانك بالعمران. أن تسمع الفَقد، ولا تُخرس فيك لغة الرجاء. الطمأنينة أن تُسلّم أمرك للواحد القهّار، وأن توقن أنّ ما يجري مهما بدا قاسيًا ليس خارج ميزان الحكمة الإلهية.
أما التفاؤل، فليس سذاجةً ولا هروبًا من الواقع، بل هو تمرّد واعٍ على اليأس. هو أن تقول للوجع: لستَ النهاية. وأن تقول للدّمار: لن تكون الكلمة الأخيرة. أن ترفع رأسك وسط الرُّكام، وتؤمن أن في هذا الرّكام بذور حياة تنتظر من يراها.
كم من ليلٍ ظنّ الناس أنه الأخير، فإذا بالفجر يولد من أحشائه! وكم من انكسارٍ بدا نهائيًّا، فإذا به منعطفٌ نحو قوةٍ لم تكن في الحسبان! تلك سنن لا تتخلّف: الضّيق يعقبه انفساح، والانطفاء يعقبه اشتعال، وكلّ سقوطٍ يحمل في طيّاته بداية نهوض.
إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس ما يجري حولنا، بل ما يمكن أن يستقرّ في داخلنا. حين يتسلّل التشاؤم، لا يسرق اللحظة فقط، بل يسرق القدرة على الاستمرار. أمّا الرجاء، فهو ذلك النور الخفيّ الذي لا يُرى بالعين، لكنه يُبصر به الإنسان طريقه في أحلك الظروف.
فلنحذر أن نكون حرّاسًا للخوف في قلوبنا، أو مروّجين لليأس في كلماتنا. نحن في هذا الامتحان إمّا أن نكون جسورًا تعبر عليها الطمأنينة إلى الآخرين، أو جدرانًا تزيد العتمة كثافة.
ارفعوا رؤوسكم، املأوا صدوركم يقينًا لا تهزّه الأحداث، فهناك تدبيرٌ خفيّ يعمل بصمت، وهناك فرجٌ يتشكّل في الغيب، لا تراه العيون المتعبة، لكن تشعر به القلوب الحيّة.
لسنا أول من يمرّ بالعاصفة، ولن نكون آخر من ينجو منها. لكننا نستطيع أن نختار: هل نخرج منها مكسورين… أم نخرج منها وقد تعلّمنا كيف يكون الإيمان حين يُمتحن؟
هي ليست دعوةً إلى تجاهل الألم، بل إلى الارتفاع فوقه. ليست إنكارًا للخوف، بل إعادة توجيهه نحو رجاءٍ أعظم. هي دعوة لأن نُحسن الظنّ بالله حتى في أقسى اللحظات، لأن الفرج وإن تأخّر لا ينسى طريقه إلى القلوب التي انتظرته بثبات.
فاثبتوا… فإن في الثبات حياة. وتفاؤلوا… فإن في التفاؤل نجاة. وانتظروا… فإن ما عند الله يأتي دائمًا في الوقت الذي يُعيد للروح معناها، وللحياة نورها.


الشيخ د.علي أيوب


dr.aliayoub@hotmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى