أدب وفن

أعينٌ على الفجرِ المفقودِ /بقلمِ الشاعر د. عبدِ الكريمِ بعلبكي

أعينٌ على الفجرِ المفقودِ
بقلمِ عبدِ الكريمِ بعلبكي

مُنذُ أنْ فتحتُ عَيْنَيَّ
لم أرَ الفجرَ…
بل سمعتُهُ يتعثَّرُ برصاصةٍ
تبحثُ عن عَهْدْ.

كانَ الهواءُ
يمشي على عكّازِ الدُّخانِ،
والسَّماءُ
تُخبِّئُ زُرقتَها في جيبِ الغيمِ
خوفًا من أنْ تُصابَ
بلعنةِ البُعدْ.

كبرتُ قليلًا…
فاكتشفتُ أنَّ الطُّرُقاتِ
تحفظُ آثارَ الأحذيةِ
أكثرَ
مِمَّا تحفظُ ضحكاتِ العابرينَ،
وأنَّ النَّوافذَ
تُتقنُ الانحناءَ
حين تمرُّ صفّاراتُ النَّازحينَ.

أمِّي كانت تُعِدُّ لنا
خبزًا على شكلِ قلبٍ،
لكنَّهُ
كانَ يبردُ سريعًا
كلَّما مرَّت دبّابةٌ
فوقَ حِضْنِ الوَجْدْ.

قلتُ يومًا:
ألا يحقُّ لنا
أن نُجرِّبَ صباحًا
لا يُفتَّشُ عندَ الحواجزِ؟
أن ننامَ
دونَ أن نحلمَ بسقفٍ يسقطُ
معَ الرعد والبرد؟

ما هذا العطشُ
الذي يسكنُ العروقَ
ولا يرتوي
إلّا بلونِنا؟
أيُّ نهرٍ هذا
الذي كلَّما شربَ
ازدادَ ملوحةً؟

أم أنَّ التَّاريخَ
كتبَ نفسَهُ
بحبرٍ من نارٍ،
ونسيَ أن يتركَ
هامشًا
لنكتبَ
سلامًا صغيرًا
على قارعةِ الغدِ.

أرى العالمَ
مرآةً مشروخةً،
كلُّ وجهٍ فيها
يحملُ حربَهُ الخاصَّةَ،

ويبحثُ عن يدٍ
تلمُّ شظاياهُ
دونَ أن تجرحَ.

وأنا…
ما زلتُ أُفتِّشُ
عن يومٍ
لا يختبئُ فيه الأطفالُ
داخلَ ألعابِهم،
ولا تخافُ العصافيرُ
من صوتِ الحدّْ.

أُفتِّشُ
عن حبٍّ
يمشي في الطُّرُقاتِ
بلا خوذةٍ،
ولا يُدرَّسُ عن بُعدٍ،
عن أمانٍ
لا يحتاجُ إلى ترجمةٍ،
عن قلبٍ
يُصدِّقُ أنَّ الحياةَ
ليست ساحةً
للفقدْ.

وفي آخرِ الحُلمِ…
حين تعبتُ من السُّؤالِ،
وضعتُ الحربَ
على حافَّةِ قلبي
كطفلٍ ضالٍّ
ينامُ في فمِ اللَّحدْ،

فاكتشفتُ فجأةً
أنَّها
لم تكن تبحثُ عن ضحيَّةٍ…
بل عن بذرةٍ
يُعيدُ تربيتَها
على يدِ قلبٍ
تأخَّرَ كثيرًا
عن تعلُّمِ الحبِّ،
كي يُولدَ فجرٌ
من رحمِ هذا المهدْ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى