أدب وفن

تهافت الأدب و تهافت الأدباء في الأمة السورية !

تهافت الأدب و تهافت الأدباء في الأمة السورية !

أنطوان يزبك*

لماذا نأتي إلى سيرة الأدب الآن ولماذا نصفه أنه يتهافت ؟
ما علاقة الأدب بالأمة وما هي فائدته؟
أسئلة كثيرة سأحاول الإجابة عليها في مقالة وجيزة محورها كتاب أنطون سعادة : ” الصراع في الأدب السوري “.
نشرح بداية مصطلح التهافت في اللغة ، التهافت هو التساقط شيئا فشيئا ، أو الوقوع بسرعة أما في المعنى الإصطلاحي الفلسفي ، فهو التناقض والسقوط الذاتي في الحجة عندما يهدم الكلام نفسه بنفسه ، لضعف منطقه و حجته .
ما يحصل في حاضر بلادنا هو كل أنواع التهافت خاصة في عالم الفكر و الأدب حتى بتنا نتكلم عن “تهافتات” و إذا بحثنا أكثر في مصدر اللغة [ إتيمولوجيا ] ورحنا نحو تجزئة الجمع من كلمة ( تهافت ) أي تها/فتات يبقي لدينا : الفتات !!

وربّ قائل ما هو الهدف من إثارة الموضوع الآن، يكون ردّي مباشرة هو من اقتباس للزعيم أنطون سعادة :
إن الأدب الذي له قيمة في حياة الأمة وفي العالم ، هو الأدب الذي يعنى بقضايا الفكر والشعور الكبرى، في نظرة إلى الحياة والكون والفن عالية أصيلة ممتازة لها خصائص شخصيتها ( أنطون سعادة الأعمال الكاملة المجلد 6 صفحة 853) .

لا حاجة لنا للتذكير أن العمل الأدبي، ليس للتسلية و تجزية الوقت وحسب بل هو حاجة ماسّة لرقيّ الشعوب.
لقد أوضح سعادة هذه الافكار في مؤلفه “الصراع في الأدب السوري” الصادر عام 1943. و هو مجموعة محاضرات ألقاها في الندوة الثقافية للحزب السوري القومي الاجتماعي في سان باولو بالبرازيل.
يقول سعادة في هذا الكتاب؛ أن الأدب ليس ترفاً لغوياً، بل هو بالفعل صراع قيم واتجاهات نفسيّة. كل أديب يعبّر عن نظرة إلى الحياة، وهذه النظرات تتصارع داخل المجتمع والأدب هو تعبير عن نفسية الأمة كما يحمل قضية واتّجاهاً. الأديب الذي لا موقف له من الحياة لا ينتج أدباً حقيقياً.

كان الأدب قديما هو أدب الذات الفردية، الانعزال، التشاؤم، الهروب، يرى فيه سعادة، أنه أدب مستورد من الرومانسية الأوروبية ولا يعبر عن واقعنا.
بينما الأدب الجديد فهو أدب القومية، البطولة، الإرادة، الحياة الصاعدة. أدب يعالج قضايا المجتمع ويبني الإنسان الجديد.
والجدير ذكره أن سعادة انتقد “النبي” لجبران و”مرداد” لنعيمة لأنهما يدعوان للزهد والانعزال عن المجتمع إذ دعوة “اهرب بنفسك” تقتل روح الأمة وقت المحنة.
وطرح سعادة بديلا على الشكل التالي : أدب مرتبط بالأرض والتاريخ والمصلحة القومية. وظيفته بعث النهضة وخلق الإنسان – المجتمع، لا الإنسان الفرد المنعزل.
من ذلك اختيار عنوان الكتاب فلا نهضة بلا صراع بين القديم الذي يريد البقاء والجديد الذي يريد أن يولد. الأدب ساحة من ساحات هذا الصراع كما أن الأدب مرآة للصراع بين “إرادة الحياة” و”إرادة العدم” في المجتمع السوري.
من هذا المنطلق الفكري يدعو الزعيم المفدّى الأدباء إلى ترك الأبراج العاجية وترف الصرف والنحو ، والنزول إلى معركة بناء المجتمع والأمة. هذا المؤلف ، هو كتاب مقتضب صحيح من ثمانين صفحة تقريبا ، بيد أنّ له أهمية لا تقارن ، لأنّه أسّس لما يسمّى “النقد القومي” في الأدب العربي وفتح آفاقا كانت مسدودة من زمان بعيد في دنيا الأدب.
مع الاسف طوينا السنوات والأيام منذ تاريخ صدور هذا الكتاب ولم يتحرّك شعور الأدباء من كتّاب النثر والشعر على حدّ سواء ، كتّاب أصبحوا متبلّدين لم يسعوا إلى تطوير كتاباتهم ليصنعوا نهضة لائقة بالأدب و الفكر . بل ظلّوا يتخفّون برداء الهروب من الواقع كما قال سعادة، خاصة في الشعر الذي بقي لونا من ألوان التسلية كما هي الزينة والبهرج في السهرات ، وكما هو حال المأكولات والخمور والرقص والعزف والإبتهاج . لم يحاول عدد كبير من الأدباء إضاءة شعلة الثورة الأدبية ، وعلى الرّغم من وجود شعراء أخذوا على عاتقهم كتابة قصيدة وطنية ثورية تواكب الصراع مع اليهود ونبوغ عدد كبير منهم من العراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين ؛ نأى عدد كبير من الأدباء بأنفسهم عن خوض غمار الثورة والنهضة الحقيقية .
في قصيدة الحاكم والعصفور للشاعر الكبير نزار قباني التي ظهرت في سبعينات القرن الماضي وقامت عليها الدنيا ولم تقعد ، نقرأ ما يلي :

ما زلنا منذ القرن السابع
خارج خارطة الاشياء …
لو كانت تسمعني الصحراء
لطلبت إليها أن تتوقف عن تفريخ ملايين الشعراء
وتحرّر هذا الشعب الطيّب من سيف الكلمات…
نطق نزار قباني في أبياته بالحقيقة الخالصة . هو يقصد هنا شعراء العرب في كل الأقطار وليس فقط شعراء الأمة السورية وحدها ، بل شمل في عتبه هذا كل شعراء العرب ؛ شعراء الجزيرة العربية وشمال افريقيا هؤلاء الذين سكروا وأسكروا الجماهير بتلاواتهم المملّة السمجة وشاعريّتهم المخنّثة من خلال تكرار لأبيات وأوزان تخدّر الأذهان بمطوّلات عن البطولة و البطولة غائبة . وشعر عن الكرامة والكرامة قد اغتيلت منذ زمن بعيد . وشعر عن الفخر بينما لا يوجد فخر سوى في المقتنيات الثمينة والذهب والدنانير . شعر عن الوطنية بينما الوطنية تباع في أسواق البغاء بحفنة من القروش . شعر يحاكي المشاعر والأحاسيس البشرية بينما البشر قد تحوّلوا إلى قرود ممسوخة يتناتشون فاكهة الأرض اللذيذة ويفسدونها فلا تعود صالحة للأكل ، و بعد حين يستبدلونها بقاذورات العمالة ، لها طعم المرار والذلّ و المهانة ، هذه هي حكاية الأدب في أيامنا !

*كاتب و باحث لبناني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى